منشورات الأكاديمية>  العربية>  أهمية الجهاد لنهضة العالم الإسلامي

أهمية الجهاد لنهضة العالم الإسلامي
حقيقة الجهاد وأقسامه وحاجته اليوم

اسم الكتاب: أهمية الجهاد لنهضة العالم الإسلامي
المؤلف: العلامة الشيخ/ محمد شهاب الدين الندوي
الناشر: الأكاديمية الفرقانية
الصفحات: 32

عدد الاجزاء: 1
القياس: 5.5 انج x 8.5 انج
الطبعة رقم: 1
الغلاف: تجليد فاخر
السعر: 20 روبية هندية
نوع الكتاب: ورق أبيض
الرقم السري: 72
التوفير
: موجود

المحتويات

إن الإسلام دين كامل من الوجهة الشرعية والأخلاقية والثقافية والحضارية والاجتماعية. فإنه جاء يحمل سائر ما يحتاج إليه البشر. وللثقافة الإسلامية جوانب عديدة من العقيدة والسلوك والأخلاق والاقتصاد والآداب والاجتماع والعلوم والسياسة وما إلى ذلك. وإن الإسلام يرشد في كافة هذه المجالات إرشادا صحيحا ويصلح ماكان فاسدا، ليس له نظير في الأديان الأخرى. وإن القرآن الكريم قد بين في كل من هذه المجالات مبادئ وأصولا لإرشاد المسلمين. فها نحن نوضح في هذا البحث بعض المقومات والتوجيهات الإسلامية التي تتعلق بالجهاد وحقيقته وأقسامه لنهضة العالم الإسلامي.

الإسلام بناء تام الصنعة

ولكن قبل أن ندخل في صلب الموضوع نريد أن نبين بأن الإسلام ليس دينا روحيا فقط، عاريا من الحضارة والتمدين، كما يظن بعض الناس بغير أساس ودليل. بل هو جامع يشمل كل مجالات الحياة الإنسانية من مهد إلى لحد. يقول الباحث الشهير محمد أسد:

"إننا نعتقد أن الإسلام، بخلاف سائر الأديان، ليس اتجاه العقل روحيا يمكن تقريبه من الأوضاع الثقافية المختلفة، بل هو فلك ثقافي مستقل ونظام اجتماعي واضح الحدود". ([i])

ومن محاسن الإسلام أنه نظام شامل يجمع كافة أركانه المختلفة بصلة وثيقة وحكمة بالغة، كأنه جهاز كبير من شتى الأجزاء، كلها يعمل لغرض واحد ويجري إلى هدف موحد.

يقول الباحث السالف ذكره: "إن الإسلام على ما يبدو لي، بناء تام الصنعة، وكل أجزائه قد صيغت ليتمم بعضها بعضا ويشد بعضها بعضا. فليس هناك شئ لاحاجة إليه، وليس هنا نقص في شئ. فنتج عن ذلك كله ائتلاف متزن مرصوص". ([ii])

والمقومات الثقافية الإسلامية كثيرة لاتحصى، منها تحصيل القوة والطاقة المادية من تسخير الأشياء الكونية، بناء على العلم والعقل والنظر والتجربة، للدفاع عن الدين والدولة. كما قال الله تبارك وتعالى:

{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِيْ السَّمَاوَاتِ وَمَا فِيْ الأَرْضِ جَمِيْعًا مِنْهُ.}   الجاثية: 13

{وَأَعِدُّوْا لَهُمْ مَااسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُوْنَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ.}   الأنفال:60

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

ومن أهداف هذا المبدأ إبادة الشرور والسيئات الثقافية والحضارية، وتطهير المجتمع الإنساني من الأوثان والأوساخ من العقائد والعبادات والأخلاق وإفناء الفتن والاضطرابات القومية والجنسية والاجتماعية والسياسية والدولية من المجتمعات. فإن الشريعة الإسلامية أوجبت على الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بهذا الصدد فرديا وجماعيا. كما قال الله تعالى:

{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُوْنَ بِالْمَعْرُوْفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ.}   آل عمران: 110

وقد جاء في الحديث النبوي شرحا لهذا الهدف: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يكن يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان. ([iii])

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: فالذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف وتنهون عن المنكر. أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم. ([iv])

فبناء على هذه المبادئ، الدرجة الأولى للإيمان إنما تكون أن تستأصل الشرور والفتن باليد أو بالقوة والطاقة. ([v]) وهذا الهدف لا يغيبن عن خاطر مسلم في أي حال، وهذه الغاية لابد أن تكون منصوبة أمام الأمة الإسلامية دائما، لإبادة الفتن والاضطرابات على المستوى العالمي، لتكون أرض الله خالية من الظلم والجور والاضطهاد، ولتكون كلمة الله هي العليا، قال تعالى:

{ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِيْ الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُوْنَ.}   يونس: 14

{وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ، ثُمَّ لاَيَكُوْنُوْا أَمْثَالَكُمْ.}   محمد: 38

حقيقة الجهاد في الإسلام

وهذه من المميزات الإسلامية والأهداف الأساسية الواسعة، وهي مطلوبة على صعيد عالمي من وجهة الخلافة الأرضية، التي لأجلها خلق الله تعالى آدم عليه السلام وجعله خليفة في الأرض. ولذلك فإن الله قد شرع الجهاد، وأوجبه على المسلمين أن يجاهدوا ويحاربوا الفتن والاضطرابات وأعمال الشغب بين المجتمعات والحضارات الإنسانية، للقضاء على الظلم والبغي والاستبداد، وإقامة العدل والإحسان. وهذا هو معنى وحقيقة الجهاد في الإسلام. ولذلك جاء في الحديث النبوي الشريف:

"إن الخلق عيال الله، فأحبهم إليه أنفعهم لعياله. ([vi])

فالحاجة ماسة لإجراء هذا الجهاد وإقامة الدين الإلهي إلى قوة وقدرة، لأن الأمم والشعوب المستبدة الباغية لا تعرف إلا لغة القوة ولا تخضع إلا للطاقة المادية. فتطهير أرض الله تعالى من الشرور والمفاسد هو من فرائض هذه الأمة، وهو داخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فإن الله قد قال إن هذه الأمة {أخرجت للناس} أي للنوع البشري كله. فلابد إذا أن تأمره بالخير والصلاح وتنهاه عن الشرور والمنكرات الأخلاقية والاجتماعية. وهذا نطاق واسع، ليس محصورا في الشرعيات ولا يختص بالمجتمع الإسلامي وحده ولا دليل على ذلك.

إن العلامة ابن قيم الجوزية قد ألحق الجهاد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما يقول:

وأما جهاد أرباب الظلم والبدع والمنكرات، فثلاث مراتب: الأولى: باليد إذا قدر، فإن عجز انتقل إلى اللسان، فإن عجز جاهد بقلبه. ([vii])

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جهاد، فله مجال واسع من هذه الوجهة.

الجهاد العلمي  هو الجهاد الكبير

لقد شاع سُوء الفهم في بعض الأوساط بأن الجهاد إنما هو حرب الكفار. والحقيقة أنها له مفهوم واسع في الدين . فإن الجهاد في الإسلام  نوعين: نوع يتعلق بالعلم والاستدلال بالبراهين، ونوع يتعلق بالجُهد في ميدان العمل. وكلا النوعين مطلوب لإعلاء كلمة الله  تعالى. فأما الجهاد بالعلم والاستدلال فهو إثبات أصول الدين وتعاليمه بالأدلة العقلية والعلمية الحديثة لهداية النوع البشري في ضوء القرآن الكريم . وهذا هو الجهاد الكبير من منظور القرآن الكريم. كما قال الله عز وجل:

{وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِيْ كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيْراً. فَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِيْنَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيْراً.}   الفرقان :51-52

إن الله  تعالى أمر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين بواسطته أن يجاهدوا الكافرين والمنكرين بالله بالقرآن الكريم، لما فيه من الحقائق والأدلة العلمية التي تصلح أن تكون حجة ناصعة في كل عصر ومصر. وهي اليوم الحقائق الكونية التي تنكشف بالاكتشافات الحديثة. وهذا العلم هو الذي يجدر أن يسمّى بعلم الكلام الذي له تأثير كبير في محاجة الكفار والجاحدين بالله تعالى في العصر الراهن. فالحاجة ماسّة إلى تدوين هذا العلم ومبادئه في ضوء القرآن العظيم والعلوم الحديثة. وهذه الفريضة ملقاة على عواتق علماء الدين. ففي هذا الصدد ورد في القرآن الكريم :

{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيْ أُنْزِلَ فِيْهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ.}   البقرة: 185

{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيْزَانَ لِيَقُوْمَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ.}   الحديد : 25

{وَفِيْ الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوْقِنِيْنَ. وَفِيْ أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبِصِرُوْنَ.}   الذاريات : 20-21

والغرض من هذه الآيات البينات أو الأدلة الكونية العلمية  هو إرشاد النوع البشري وإتمام الحجة على المنكرين والجاهدين بالله تعالى. ولذلك قال تعالى :

{سَنُرِيْهِمْ آيَاتِنَا فِيْ الآفَاقِ وَفِيْ أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ.}   حم السجدة : 53

{وَيُرِيْكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللّهِ تُنْكِرُوْنَ.}   المؤمن : 81

فإن هذه فريضة العلماء أن يتفكروا في المظاهر الكونية  ثم يتدبّروا في كتاب الله  العظيم فيستنبطوا منه الأدلة العلمية التي تنكشف بمقابلة الاكتشافات الحديثة والحقائق القرآنية والتي هي تكون حجة قاطعة على البشر، فلا يكاد يسع له مجال الإنكار بالله تعالى. ولذلك قال الله عز وجل يخاطب العلماء الراسخين الذين هم "أولو الألباب" في مُصطلح القرآن الكريم :

{إِنَّ فِيْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِيْ الأَلْبَابِ. الَّذِيْنَ يَذْكُرُوْنَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوْداً وَعَلى جُنُوْبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُوْنَ فَيْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً، سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.}   آل عمران : 190-191

{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوْا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوْ الأَلْبَابَ.}   ص : 29

الجهاد العملي أو البدني

وأما الجهاد العملي  فهو الجهد المتواصل في مجال النشاطات المختلفة التي تساعد الإسلام  والمجتمع الإسلامي للتقدّم إلى إقامة الدين  الإلهي وسيطرته على الأمم والأديان كلها، لتكون كلمة الله  هي العليا. فلا يتم هذا الجهاد في العصر الراهن إلا بالنبوغ والتمهّر في العلم  والتكنولوجيا .

ثم إن لهذا الجهاد (أي الجهاد العملي ) مفهوم عام ومفهوم خاص. فالمفهوم العام هو النشاط العملي في جميع الأعمال المدنية  والاجتماعية من منظور إسلامي، التي هي تساعد المجتمع الإسلامي لمواجهة أعدائه في الساحة العسكرية. وهذا الجهاد  هو الجهاد الدائم المتواصل في حالة الأمن والخوف وفي حالة العسرة والراحة، فلا مرد له. وفي هذا الجهاد يقول الله  تعالى:

{وَجَاهِدُوْا فِيْ اللّهِ حَقَّ جِهَادِهِ.}   الحج : 78

{يُجَاهِدُوْنَ فَيْ سَبِيْلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُوْنَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ.}  المائدة : 54

{وَالَّذِيْنَ جَاهَدُوْا فِيْنَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا، وَإِنَّ اللّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِيْنَ.}   العنكبوت : 69

وأما المفهوم الخاص للجهاد العملي  هو القتال في مواجهة أعداء الدين  والمسلمين. وهذا لا بد له للدفاع عن الدين وعن بلاد المسلمين  إذا هاجم عليهم العدو وشنّ عليهم الغارة. وفي هذا الجهاد  يقول الله  تبارك وتعالى:

{وَقَاتِلُوْا فِيْ سَبِيْلِ اللّهِ الَّذِيْنَ يُقَاتِلُوْنَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوْا، إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِيْنَ.}   البقرة : 190

{وَقَاتِلُوْهُمْ حَتّى لاَ تَكُوْنَ فِتْنَةٌ وَيَكُوْنَ الدِّيْنُ لِلّهِ.}   البقرة : 193

{وَقَاتِلُوْا الْمُشْرِكِيْنَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُوْنَكُمْ كَافَّةً، وَاعْلَمُوْا أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِيْنَ.}    التوبة: 36

{الَّذِيْنَ آمَنُوا يُقَاتِلُوْنَ فِيْ سَبِيْلِ اللّهِ، وَالَّذِيْنَ كَفَرُوْا يُقَاتِلُوْنَ فِيْ سَبِيْلِ الطَّاغُوْتِ فَقَاتِلُوْا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ، إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيْفاً.}   النساء : 76

استراتيجية الجهاد في الإسلام

ولكل نوع من الجهادين مقام خاص ومناسبة خاصة لإنجازه وتنفيذه. فلا يصلح الجهاد  القتالي لكل عصر ومصر إلاّ إذا كان المسلمون أقوياء في هذا المجال. ولكن لا ينبغي لهم أن يغفلوا عنه يوماً ما. وأما الجهاد العلمي -على العكس- فهو صالح للتنفيذ في كل من العصور لأنه مطابق وملائم لعقلية العصر الحديث في ميدان العلم  والبُرهان. وعلى كل فإن الجهاد  بمفهومه العام لا بد أن يجري ويستمرّ في كل عصر وحين إلى يوم القيامة، كما جاء في الحديث النبوي الشريف:

الجهاد ماض منذ بعثني الله  إلى أن يُقاتل آخر أًمتي الدجال ، لا يُبطله جورُ جائر ولا عدل عادل.)[viii])

فإن هذا الحديث يلفت النظر إلى هذا المبدأ بأن الجهاد لابد له أن يجري دائماً في أي شكل كان.  لأن الجهاد فريضة محكمة، وماض إلى يوم القيامة. وللجهاد ثلاثة أقسام من وجهة أخرى: الجهاد بالنفس  أو بالسيف  والجهاد باللسان  والجهاد بالمال ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم.([ix])

وكما جاء في حديث آخر:

قال رسول الله صلى عليه وسلم: إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه.([x])

فالجهاد بالسيف  هو مقاتلة الكفار، والجهاد باللسان  هو الأساس للجهاد العلمي  والاستدلال بالبراهين، والجهاد بالمال  هو المساعدة المالية للمجاهدين بالسيف وباللسان أو بالعلم. كما جاء التصريح في القرآن والحديث النبوي:

{وَجَاهِدُوْا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِيْ سَبِيْلِ اللّهِ.}   التوبة : 41

وقال رسول الله  صلعم: من جَهّز غازياً فقد غزا، ومن خَلّف غازياً في سبيل الله فقد غزا.([xi])

هذا، والإسلام يُوجب الجهاد على كل مسلم إمّا أن يُجاهد بنفسه أو بلسانه وعلمه أو بماله. فلابد أن يكون كل مسلم في أحد من هذه الثلاثة. فإن لم يكن في أحد منها فهو على نوع من نفاق، كما قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم:

من مات ولم يَغزُ ولم يحدّث به نفسه، مات على شعبة من نفاق.([xii])

 من لقي الله  بغير أثر من جهاد لقي الله وفيه ثُلمة([xiii]) (وهي الفُرجة).

من لم يَغزُ ولم يجهّز غازياً أو يَخلُف غازياً في أهله بخير أصابه الله  بقارعة قبل يوم القيامة.([xiv])

وهذه هي حقيقة الجهاد  في الإسلام . وله صلة شديدة في إبادة الكفر والشرك والفلسفات  الضالة وأنواع من المنكرات والفواحش الشائعة في المجتمعات، إن أمكن فبالسيف  وإلا فباللسان والعلم والبرهان. فلابد أن يجري هذا العمل ويتواصل في العصور كلها.

والمقصود من الجهاد هو إعلاء كلمة الله  تعالى خالصاً له من غير شائبة. كما جاء هذا المبدأ في الحديث: فقد سُئل رسول الله صلعم عن الرجل يُقاتل للمغنم، وعن الرجل يقاتل للذكر (أي للسُمعة)، وعن الرجل ليُرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".([xv])

الإسلام  دين العلم والبُرهان

وإن من مقومات الإسلام  البارزة هو أنه دين العلم والبرُهان، ولذلك زُيّن بالأدلة العلمية الصارمة والحجج القاطعة التي تدحض جميع الأديان  المنحرفة والفسلفات الكاذبة في ميدان الحجة والبُرهان والاستدلال، كما قال تعالى:

{قُل فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ.}   الأنعام : 149

{هُوَ الَّذِيْ أَرْسَلَ رَسُوْلَهُ بِالْهُدَى وَدِيْنِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّيْنِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُوْنَ.}   التوبة : 33، والصف : 9

وهذه الغلبة والاستيلاء مطلوبة في كُلّ من مجال العلم والبرهان ومجال العسكر والسياسة، كما صرّح به المفسرون. فقال القرطبي : {ليظهره على الدين  كلّه.} أي بالحجة والبراهين، أي ليظهر الدين، دين الإسلام  على كل دين.([xvi])

وقال ابن كثير : {ليظهره على الدين  كله} أي على سائر الأديان ، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله  صلعم أنه قال: "إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي مازُوي لي منها". وقال رسول الله صلعم: "ليبلُغنّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلاّ أدخله هذا الدين يُعزّ عزيزاً ويُذلّ ذليلاً، عزّاً يعزّ الله به الإسلام  وذلاًّ يذل الله به الكفر."([xvii])

فإن هذا وعد من الله  تعالى وبُشرى عظيمة تحثّ المسلمين  جميعاً على أن يستعدوا له ويجاهدوا في سبيل الله تعالى بكل حماسة وحرارة لغلبة الدين  الإلهي على الأديان  كلها بالحجة والبرهان وبالسيف والسنان. فإذا كان الجهاد القتالي جديراً من حيث أهلية المسلمين  في الميدان العسكري فهو، وإلاّ فلا مندوحة عن الجهاد العلمي، لأن واحداً منهما لابد له أن يستمر على الدوام بلا انقطاع. وهذا هو مطلوب الإسلام .

وعلى كل، فإن الجهاد العلمي هو الملائم في هذا الزمان نظراً إلى أحوال المسلمين  السياسية. فلابد أن يكون هذا الجهاد مستمراً ومتواصلا لتكون سوق الاستدلال نافقة بكل رَوعة وجلال. وبهذا الجهاد نستطيع أن نوسّع نطاق الإسلام  بغير إهراق الدماء. ولهذا الجهاد فضل كبير من منظور إسلامي، كما جاء في الحديث النبوي:

لاتزال طائفة من أُمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة.([xviii])

لا تزال طائفة من أُمتي ظاهرين على الحق، لا يضرّهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ، وهم كذلك.([xix])

فقد صرّح الإمام البخاري  رحمه الله بأن المراد من هذه الطائفة التي تظهر إلى يوم القيامة هي الطائفة من أهل العلم، كما قال في عنوان بابه في هذه المسألة:

"باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق يقاتلون، وهم أهل العلم."([xx])

تحقيق النهضة الإسلامية

لقد استبان من هذه المناقشة بأن العلماء الذين مشتغلون بهذا الجهاد  لغلبة الإسلام  في ميدان الحجة والبرهان هم المجاهدون في المرتبة الأولى ولهم فضل كبير، وهذا الجهاد -أي العلمي - هو الجهاد الأصيل والجهاد الكبير من منظور إسلامي. ولذلك قال تعالى: {وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيْراً.} أي بالقرآن كما صرّح به ابن عباس  رضي الله عنه.([xxi]) وهذا هو السرّ في تزيين القرآن بالأدلة العلمية المتنوّعة والقاطعة، لتكون حجة على البشر كله وسيفاً قاطعاً في إبطال الإلحاد  والفلسفات  الضالة التي تحيط بالعالم البشري اليوم من كل جهة.

وهذا هو الجهاد الأكبر في العصر الراهن. فلابد من المساعدات المالية لتدعيم هذا الجهاد للمنظمات الإسلامية التي مشتغلة في هذا المضمار في أنحاء العالم. وعلى كلّ بهذا الجُهد المتواصل والعمل الجوهري نتقدّم إلى النهضة الإسلامية  رُويداً رُويداً. فإن هذه النهضة المطلوبة لاتتحقّق بغتةً ومفاجئة، بل تبرز مطابقةً لقانون الفطرة . فلا مندوحة إذاً عن العمل المتواصل والجهد الشاق المُتعب لتحقيقها. ولا سبيل إلى إسعاد المسلمين  بغيرها.

النهضة الإسلامية  والجهاد  المتواصل

وعصارة القول أن مداواة جُروح الأمة الإسلامية وعلاجها هو الجهاد فقط لاغير. وهذا هو الحل السليم للمشاكل والقضايا التي تُحيط بالأمة من كل جانب. وهذا الجهاد هو الجهاد العلمي  والجهاد الاستدلالي  والجهاد العسكري  والجهاد الحضاري  والجهاد الاقتصادي  والجهاد المدني  والجهاد  السياسي  بكل روح ومعنى. وبذلك نستطيع أن نقاوم الحضارة المادية والإلحادية  ونهزمها في ساحات العلم  والحضارة والاجتماع والسياسة ، ونرفع رأية الإسلام  على آفاق العالم. فبهذا العمل الجَذري تتحقق النهضة الإسلامية  الحديثة. وهي تحتاج إلى جهد متواصل وجهاد كامل بكل جِدّية وواقعية. فلا تتحقق بمجّرد الأماني والأحلام. فقد قال الله  تبارك وتعالى:

{وَإِنْ تَتَوَلّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ، ثُمَّ لاَيَكُوْنُوْا أَمْثَالَكُمْ}   محمد :38

{إِنَّ الله َ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتى يُغَيِّرُوْا مَا بِأَنْفُسِهِمْ.}   الرعد : 11

فلسفة الخلافة الأرضية

لقد خلق الله  الإنسان  خليفة على الأرض وكرّمه بـ"علم الأسماء" أي علم المظاهر الكونية  لهذه الخلافة {وعلم آدم الأسماء كلها}، لإقامة دينه الخالد وإظهاره على الأديان  والفلسفات المنحرفة  كلّها. فبهذا المنظور أيّما أمة تخلّفت في التسلّح بهذا العلم قد خابت في هذه الساحة. وهذه هي العبرة في قصة آدم  عليه السلام. ([xxii])

وللخلافة جناحان: جناح روحي وجناح مادي، فلإكمالها لابدّ التوافق والاتصال بينهما. والتفريق والانفصال بينهما -على العكس- يُفضي إلى اختلال التوازن. ولذلك أيّما أمة برزت على عرش الخلافة متزيّنة بالمادية فقط عارية عن الروحية  فهي ترقص رقصاً شيطانيا، كما هو حال الغرب . وأيما أمة اختارت من هذه الخلافة جناحها الروحي فقط مجرداً عن المادية ، لاتستطيع أن تذلّل "الشياطين". فلا مندوحة عن القوة المادية  للسيطرة على القوات الشيطانية. وهذه هي فلسفة  الخلافة.

الخلافة الأرضية  وشروطها

فإن هذه الخلافة ابتلاء وامتحان للأمة الإسلامية، ولا تحصل بالأماني والأحلام إلاّ بالكدّ والمجاهدة الشاقة، كما أنها تقتضي الإيمان  الكامل بالله تعالى عز وجل. ولقد صرّح تعالى هذا المبدأ بكل صراحة في كتابه المجيد بقوله:

{وَعَدَ الله ُ الَّذِيْنَ آمَنُوْا وَعَمِلُوْا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِيْ الأَرْضِ كَمَا اسْتَخَلَفَ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِيْنَهُمْ الَّذِيْ ارْتَضَى لَهُمْ وَليُبَدِّلَنّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً، يَعْبُدُوْنَنِيْ لايُشْرِكُوْنَ بِيْ شَيْئاً، وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُوْنَ.}   النور : 55

وهذا وعد من الله  تعالى لجميع الأمة الإسلامية إلى يوم القيامة، وإن كان قد صدق هذا الوعد على الخلافة الراشدة وما بعدها. فقد قال الإمام القرطبي  في هذا الخصوص:

"هذا وعد لجميع الأمة في ملك الأرض كلها تحت كلمة الإسلام ، كما قال عليه الصلاة والسلام: "زُويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغُ ملك أمتي مازُوي لي منها." واختار هذا القول ابن عطية في تفسيره حيث قال: والصحيح في الآية أنها في استخلاف الجمهور، واستخلافهم هو أن يملّكهم البلاد ويجعلهم أهلها، كالذي جرى في الشام  والعراق  وخراسان  والمغرب . قال ابن العربي : قلنا لهم هذا وعد عام في النبوة  والخلافة وإقامة الدعوة وعموم الشريعة ."([xxiii])

وفي هذه الآية الكريمة وعد الله  المسلمين  بثلاثة وهي مشروطة بشرط. فأما ما وعده فهو استخلافهم في الأرض أي جعلُهم خلفاء الأرض، وتمكين دينهم وهو الإسلام ، وتبديل خوفهم من الأمن، أي تبديل الخوف من جانب أعدائهم وإيصالهم إلى الأمن والسلام. فإن الخلافة لاتتمّ إلاّ بتثبيت الدين  من كل وجه في جميع ساحات الحياة من غير خشية الأعداء والحاقدين على الإسلام. وهذا هو المطلوب من الخلافة. وأما الشرط لهذه الخلافة فهو العبادة الخالصة لله وحده وعدم الإشراك به تعالى. أي مخلصين له الدين ولايطيعون غيره.

الحاجة إلى استراتيجية إيجابية

وإن هذه الغلبة والانتصار على ألدّ الأعداء لاتتحقّق إلا بالجهد المتعب المتواصل ولاينجح المسلمون في هذه الأهداف السامية إلا بعد التضامن الكامل للعالم الإسلامي والتكافل بين شتّى الجبهات والأحزاب المسلمة. فلابد له من تخطيط شامل واستراتيجية إيجابية لتغيير الأوضاع الراهنة لجميع نشاطات المسلمين  في إطار نصوص الكتاب والسنة النبوية . ولابد لتمهيد السبيل من التشاورات والتداولات بادئ ذي بدء، ثم الإجراءات والمبادرات العملية إلى المرامي المطلوبة من التقدم في ميدان العلم والصناعات وإعداد المجتمع لمواجهة الأحوال القاسية وتحصيل الاكتفاء الذاتي في الأدوات والتجهيزات المدنية  والعسكرية. يقول الله  تعالى بهذا الصدد:

{وَاعْتَصِمُوْا بِحَبْلِ الله ِ جَمِيْعًاً وَلاَ تَفَرَّقُوْا، وَاذْكُرُوْا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلّفَ بَيْنَ قُلُوْبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً، وَكُنْتُمْ عَلىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا، كَذلِكَ يُبَيّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُوْنَ.}   آل عمران : 103

{وَأَمْرُهُمْ شُوْرى بَيْنَهُمْ.}   الشورى : 38

{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِيْ مُسْتَقِيْماً فَاتَّبِعُوْهُ، وَلاَتَتَّبِعُوْا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيْلِهِ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُوْنَ.}   الأنعام : 153

{إِنَّ الله َ يُحِبُّّ الَّذِيْنَ يُقَاتِلُوْنَ فِيْ سَبِيْلِهِ صَفّاًًّ كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوْصٌ.}   الصف : 4

هذه جوانب عديدة لمقاييس ومقوّمات للخلافة الأرضية التي تشترط فيها. وعلى كل، فلابد أن تكون الأمة حَذِرة ومستعدة دائمة لمواجهة الأحوال الطوارئ والظروف المُلحّة الناشئة. وأيما أمة تخلّفت في هذه الساحة ستنتهي إلى مصيرها الوخيم حتماً مقضياً. لأن هذا العالم لايرحم الأمم والشعوب المتخلفّة والمستضعفة، بل يدوسها تحت أقدامه. والاتكال على الأمم الأخرى في هذا المجال يؤدي إلى أسوأ حال. لأنه إذاً لابد أن يدفع ثمنه تعريضاً لاستقلالها للخطر. وهذا أمر محتوم.

لقد استبان من هذه المناقشة بأن الخلافة جامعة لمظهرين: الأول منهما هو الدين  بشكله المحكم المتغلّب على الأديان  كلها في مجال العلم والبرهان. وأما الثاني فهو الاستيلاء العسكري والسياسي في ميدان النضال والكفاح، والخلافة الأرضية  إنما تتمّ بهما. وهذا هو المقصود بهذه الآية:

{هُوَ الَّذِيْ أَرْسَلَ رَسُوْلَهُ بِالْهُدَى وَدِيْنِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّيْنِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُوْنَ.}   الصف :9

وإن هذه السيطرة مطلوبة من ناحية الحجة والبرهان ومن الناحية العسكرية والسياسية، كما صرح به المفسرون.([xxiv])

وعصارة القول إن الجهاد لايتم اليوم إلا بالتبوغ والتمهر في العلم والتكنولوجيا لمقتضيات العصر الراهن.

الخطوات الحاسمة في مجال الخلافة

وبناءًا على هذا فلابد من التقدم في مجال العلم  والتكنولوجيا  بكل عزيمة وتخطيط شامل لجميع أعمالنا ونشاطاتنا بالخُطوة الأولى. لأن للتخطيط والتصميم أهمية خاصة في العصر المعاصر. فلا يتمّ عمل ولا إجراء إلا بعد خُطّة. وبالخطوة الثانية يُحتاج إلى جمع المهندسين والعلماء النابغين في العلم والتكنولوجيا  والصناعات الحديثة من المسلمين  في العالم، لهذه المرامي والأهداف. وبالخطوة الثالثة لابد من إنشاء المعامل والمصانع للصناعات المختلفة للتقدم في مجال المدنية  والعسكرية. وبالخطوة الرابعة لامندوحة عن إقامة سُوق مشتركة إسلامية للعالم الإسلامي لتبادل الإنتاجات والضروريات بين الدول الإسلامية، لينحطّ الاتّكال على الأجانب.

وبهذه الخطوات الحاسمة المباركة نتقدم نحن في ميدان الخلافة  يوماً فيوماً حتى سننتهي إلى الغاية المنشودة. وأَحْسَبُني على حق حين أزعم أن هذه الخطوات ليست ضرورية لتغيير أوضاع المسلمين  فقط، بل هي لازمة ومُلحة من الوجهة الشرعية أيضاً، لإعداد المجتمع الإسلامي والنواشئ المسلمة على الخصوص، لمواجهة أعداء الإسلام  والدين في ميدان الجهاد. وهذا هو رُوح القرآن الكريم ، التي تُطالبنا أن نَكسِبَ هذه المعركة على كُلّ حال ونُسيطر على الأوضاع بالصُمود والثبات في جميع ساحات الحياة بعواطف الجهاد. يقول الله  تبارك وتعالى بهذا الصدد:

{وَالْعَصْرِ. إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِيْ خُسْرٍ. إِلاّ الَّذِيْنَ آمَنُوْا وَعَمِلُوْا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ.}   العصر : 1-3

{يَاأَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا اصْبِرُوْ وَصَابِرُوْا وَرَابِطُوْا وَاتَّقُوْا الله َ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُوْنَ.}   آل عمران : 200

{وَلاَ تَنَازَعُوْا فَتَفْشَلُوْا وَتَذْهَبَ رِيْحُكُمْ وَاصْبِرُوْا، إِنَّ الله َ مَعَ الصَّابِرِيْنَ.}   الأنفال : 46

{وَلَنَبْلُوَنّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِيْنَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِيْنَ وَنَبلُوَ أَخْبَارَكُمْ.}   محمد : 31

هذه هي الأهداف والمقومات الدينية في ساحات الجهاد والصبر والثبات المطلوبة في ميدان الخلافة. فإن الإسلام  طريّ نشيط، يقود المسلمين  إلى الجهد والعمل ويحرّضهم على التقدم والحركة، وجُل تعاليمه طازجة ومستعدّة. فعلينا أن نصغي إلى التوجيهات والمقومات الإسلامية لنهضتنا.

وجملة القول فإن العالم الإسلامي اليوم في أشد حاجة إلى الاتحاد والائتلاف وإلى عزم أكيد على إزالة الأسباب والعراقيل في عصر العولمة الذي يطالبنا أن نتكتل هناك كتلة سياسية قوية لمواجهة التحديات والتيارات ضد الإسلام والمسلمين. فلابد هناك من المبادرة إلى توحيد الصفوف وتنسيق العمل وتنمية العلاقات بين الدول الإسلامية أولا. فإن الظروف لاتلائم للجادين أبدا ولا يجدونها مجهزّة، بل ليس لهم إلا أن يتغلبوا على الأحوال ويغيروا الظروف. فإن الأمم الطموحة الجريئة الباسلة تعدل الأوضاع وتزيل العقبات والحواجز التي تعرقل في سبيلها دائما. وعلى كل فلا مندوحة عن التضامن الإسلامي  وتنمية روابط الصداقة بين الدول الإسلامية لإنجاز الحركة الإسلامية التي تقودها إلى نهضة الأمة ونهضة العالم الإسلامي التي تمكننا على الخلافة الأرضية  نهائيا. وما ذلك على الله  بعزيز.

الخاتمة

إن الثقافة الإسلامية هي أسمى ثقافات العالم، وكذلك النظام الإسلامي هو أرفع الأنظمة التي عرفها البشر. فإن العالم الشهير محمد أسد يقول بهذا الصدد:

نحن نعد الإسلام أسمى من سائر النظم المدنية، لأنه يشمل الحياة بأسرها: إنه يهتم اهتماما واحدا بالدنيا والآخرة، وبالنفس والجسد، وبالفرد وبالمجتمع، إنه لايهتم فقط لما في  الطبيعة الإنسانية من وجود الإمكان إلى السمو، بل يهتم أيضا لما فيها من قيود من وجوه الإمكان إلى السمو، بل يهتم أيضا لما فيها من قيود طبيعية. إنه لايحملنا على طلب المحال ولكنه يهدينا إلى أن نستفيد أحسن الإستفادة مما فينا من استعداد، وإلى أن نصل إلى مستوى أسمى من الحقيقة -حيث لا شقاق ولاعداء بين الرأي وبين العمل. ([xxv])

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الهوامش

([i] ) الإسلام على مفترق الطرق، تأليف محمد أسد، ترجمه: د. عمر فروخ، ص 18، بيروت، 1947م.

([ii] ) نفس المرجع: ص 15.

([iii] ) صحيح مسلم: كتاب الإيمان، 1/69، طبعة الرياض.

([iv] ) نفس المرجع: باب تحريم الظلم، 4/1996م.

([v] ) أنظر أحكام القرآن، للجصاص، 2/30، دار الكتب العربي بيروت.

([vi] ) رواه الطبراني.

([vii] ) زاد المعاد: 3/11، طبعة مؤسسة الرسالة، بيروت.

([viii]) رواه أبو داؤد  في كتاب الجهاد: 3/40، ط حمص ، 1391 هـ.

([ix]) رواه أبو داؤد 3/22-23 والنسائي 6/7 دار الكتاب العربي بيروت، والدارمي  2/213 بيروت، وأحمد  3/124 بيروت ، وابن حبان  8/104، والحاكم  2/81 دار المعرفة بيروت .

([x]) رواه أحمد  في مسنده: 3/460، دار الفكر بيروت ، 1398هـ-1978م.

([xi]) رواه البخاري  في كتاب الجهاد: 3/214 ط استانبول 1981م، ورواه مسلم  في الإمارة: 3/1507 ط الرياض  1400هـ، ورواه أبو داؤد : 3/26، والترمذي : 4/169 دار إحياء التراث العربي، والنساء: 6/46 بيروت .

([xii]) رواه مسلم  وأبو داؤد  والنسائي .

([xiii]) رواه الترمذي  في فضائل الجهاد: 4/189.

([xiv]) رواه الدارمي : 2/209، بيروت .

([xv]) رواه البخاري  في كتاب الجهاد: 3/206، ورواه مسلم  في الإمارة: 3/1512.

([xvi]) الجامع لأحكام القرآن ، للقرطبي : 8/121.

([xvii]) تفسير القرآن العظيم الشهير بتفسير ابن كثير : 2/349، مكتبة دار التراث القاهرة .

([xviii]) رواه مسلم  في كتاب الامارة: 3/1523.

([xix])  المرجع السابق: 3/1534.

([xx]) أنظر صحيح البخاري  كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة: 8/149.

([xxi]) أنظر جامع البيان في تفسير القرآن ، للطبري : 19/15، دار المعرفة بيروت ، 1400 هـ.

([xxii] ) أنظر لتفصيل هذا المبدأ كتابنا "نهضة العالم الإسلامي في ظلال القرآن"، من منشورات الأكاديمية الفرقانية، بنجلور (الهند).

([xxiii]) أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القُرطبي ، الجامع لأحكام القرآن، الشهير بتفسير القرطبي : 12/298، بدون تصريح الناشر والمكان والتاريخ.

([xxiv]) أنظر الجامع لأحكام القرآن  للقرطبي : 8/121 وتفسير القرآن العظيم  لابن كثير : 2/349، مكتبة دار التراث القاهرة .

([xxv] ) الإسلام على مفترق الطرق: ص 110.

 

اطلب الكتب الآن

 

Copyright FURQANIA ACADEMY TRUST. All rights reserved.