منشورات الأكاديمية>  العربية>  الاستنساخ الجيني يصدق المعاد الجسدي

 

الإستنساخ الجيني يصدق المعاد الجسدي

اسم الكتاب: الاستنساخ الجيني يصدق المعاد الجسدي
المؤلف: العلامة الشيخ/ محمد شهاب الدين الندوي
الناشر: الأكاديمية الفرقانية
الصفحات: 16

عدد الاجزاء: 1
القياس: 5.5 انج x 8.5 انج
الطبعة رقم: 1
الغلاف: تجليد عادي
السعر: 10 روبية هندية
نوع الكتاب: ورق أبيض
الرقم السري: 56
التوفير
: موجود

 

  الاستنساخ الجيني يصدق المعاد الجسدي
التجربة البشرية دحضت المادية وأظهرت مصداقية العقائد الإسلامية

     إن الساعة آتية لا ريب فيها

     الإنسان يُزرع في المعامل العلمية

     نظام أساسي في عالم الأحياء

     محاكاة الخلق الإلهي

     اكتشاف بديع على لسان النبوة

     الحياة بعد الموت : مشاهدة من صميم الواقع

     إنما الأموات رقاد

     الخلق الإلهي والتصنيع البشري

      هل أصبح الإنسان خالقا؟

     القرآن الكريم يتحدّى

     تغيير خلق الله من عمل الشيطان

     الجوانب الأخلاقية والاجتماعية للاستنساخ

     اندحار الفلسفات المادية

      هل من مدّكر!!

     الهوامش

إذا مات الإنسان، وفنيت أعضاءه وجوارحه، وانتثرت عناصره التي خلق بها، وأمسى عظاما ورفاتا فهل يمكن أن يُعادَ إلى حالته الأولى من جديد؟  فقد ألفينا الجماعات والأمم الذين لا يؤمنون بقدرة الله تعالى مازالوا ينكرون هذه الحقيقة ويكفرون بها.  أما الملحدون والعلمانيون فإنهم يعدّونها أسطورا من الأساطير اختلقه الذهن البشري، ويظنون أنها عقيدة لا حيّز لها في عالم الواقع، وفكرة يشرد عنها العقل والمنطق.

إن الساعة آتية لا ريب فيها

ولكن الاكتشاف الأخير الذي نفّذه العلماء في مجال الاستنساخ الجيني CLONING - وهو توليد "مزدوج حيواني"  توليدا صناعيا من الخلية رأسا، وبدون العمل الجنسي - ليوفّر حجة قاهرة على عقيدة النشأة الثانية للجسد البشري يوم القيامة على صورته التي خلق عليها، ويثبت خاتم التصديق على حقانية العقائد الدينية.  وأيّاً ما كانت الدوافع إلى إجراء هذه التجربة، والأهداف المأمولة من خلالها ولكن هذا الاكتشاف المذهل قد أوصل اللادينيين والعلمانيين إلى موقع لا يكادون يتجاسرون منه على الإنكار بوقوع القيامة مهما كانوا ألدّاء في إلحادهم ولادينيتهم. بل إن الواحد من النوع البشري لا يجد في قلبه أيّ حرج في الاستيقان بحقانية عقيدة القيامة.  هذا هو الاكتشاف الانقلابيّ العظيم الذي وَدَعَ النوع البشري قاطبة في حالة من الدهشة والانبهار.

الإنسان يُزرع في المعامل العلمية

لقد كان العلماء الطبيعيون وأذنابهم ممن انبهروا ببريق الفلسفات والعلم من السبّاقين إلى الإنكار بوقوع القيامة، وأن الإنسان إذا مات وانقطعت عنه أسباب الحياة فكيف يمكن أن تعود إليه تلك الحياة؟  وكانوا يظنون ذلك عقيدة خرافية فارغة.  ولكن العالم الاسكتلندي إيان ويلمونت قد أقام الدنيا وأقعدها بما قام به من تجربة علمية مثيرة باستزراع خلية من النعجة عالجها في المعمل لتنجب "مزدوجا" صناعيا يحمل جميع خصائص النعجة الأولى.  وقد أجريت تجارب مماثلة ناجحة على الضفادع والقردة.  حتى إن العلماء لقد بلغوا الآن إلى أنهم يستطيعون أن ينتجوا "مزدوج" الإنسان الذي يطابقه تماما، كمثل التوأمين، إنتاجا صناعيا في المعامل وبدون الافتقار إلى عمل جنسي.  وذلك بانتزاع خلية من الإنسان وتطويرها بطريقة خاصة ثم إدخالها في رحم مستأجر.  والإنسان الذي يولد عن طريق هذا الحمل الصناعي يكون صورة صادقة تماماً عن الإنسان الأول، مشابها له في جميع الصفات والخصائص.  فقد كان الدكتور إيان ويلمونت متأكدا من أن العلم سوف ينجح في إنتاج "الإنسان المستنسخ" HUMAN CLONE خلال سنتين فقط.

   والنعجة المستنسخة التي سميت "دولي" تعيش الآن في الشهر السابع من عمرها، فيما كانت الخلية التي استنسخت منها قد انتُزعَت قبل ست سنوات ونصف وحفظت بطريقة علمية خاصة.  وهذا الإنجاز الصناعي لتوائم الأشياء الحية من الخلية رأسا بدون العمل الجنسي يعرف بـ "الاستنساخ" CLONING. وتقع هذه العملية في اختصاص "الهندسة الجينية" GENETICAL ENGINEERING، وهو علم وُلد حديثا.  ولكن هذه العملية عملية مرهقة للغاية، كما أنها تكلف نفقات باهظة لا تقلّ عن مئات الألوف من الدولارات.

أما النتائج الأخلاقية والاجتماعية التي تتمخّض عنها هذه التجارب، فقد احتفلت الدوائر العلمية بالمناقشات الساخنة حولها.  وأما السلطات الدينية فإنها تشجب نقل هذه التجارب إلى النوع البشري، مما أفضى بكثير من الدول إلى إصدار الأوامر بمنع هذه التجارب على الإنسان.  ولكن إلى متى...؟؟

نظام أساسي في عالم الأحياء

وإذا رأينا أن "مزدوج" الإنسان الذي يشاركه في جميع الصفات يصنع من خلية واحدة من الخلايا الكثيرة، فذلك يدل على أن كل خلية من الخلايا الجسدية يمكن أن يصنع منها إنسان مستنسخ جديد.  فكل واحد من البشر يمكن أن يستنسخ منه بلايين صور متشابهة لنفس الإنسان. إذ أن الإنسان عبارة عن اجتماع بلايين البلايين من الخلايا الصغيرة التي لا تُرى بالعين المجردة إلاّ بالمجهر. وكذلك الأشياء الحية الأخرى من الحيوانات والنباتات. وكل خلية تكون وحدة مستقلّة تشكّل معملا كاملا بالذات. وهي تكون مشحونة بمادة دائمة الحركة تسمى في المصطلح العلمي "البروتوبلازما".  وهذه المادة تشتمل على "المادة الوراثية" التي تعرف بالكروموسوم و DNA، بالإضافة إلى المواد الأخرى.  و "المادة الوراثية" تكون بمثابة خزانة تودع فيها الصفات النوعية لذلك النوع.  فكروموسوم النعجة مثلا توجد فيه الخصائص النوعية للنعجة، وكروموسوم القرد يختزن الخصائص النوعية للقرد، وكروموسوم الإنسان يضمّ الخصائص النوعية للنوع البشري.  وهذه الصفات النوعية تنتقل كابرا عن كابر وجيلا عن جيل.  ومن أجل ذلك تشابه الأولاد أبويهم في معظم الحالات في اللون والبشرة وملامح الوجه والعادات والأخلاق.  فكأن كل خلية لأي واحد من البشر تحمل "شبيها كاملا" لنفس البشر.  كما أن البداية الحقيقية للجنين تبدأ في بطن الأم بخلية واحدة تسمى "اللاقحة" ZYGOTE، وهي تتكون باتحاد الخليتين: خلية للأب، وخلية للأم.  وهذه اللاقحة تشابه في تطورها النظام الجرثومي العام، فهي تبدأ في الانقسام إلى مثلها من الخلايا ما بين كل عشرين إلى ثلاثين دقيقة، وتتكاثر على هذا النحو حتى لا يأتي اليوم المائة والعشرين إلا والجنين يأخذ صورته المتكاملة في بطن الأم.

محاكاة الخلق الإلهي

وهذا هو "القانون الإلهي" الذي سنّه الله في هذا الكون.  والإنسان حينما درس هذا القانون بالنظرة الغائرة هدته فكرته إلى الطريقة التي يتم بها "الخلق الصناعي اللاجنسي" للأشياء الحية من خلية واحدة من خلاياها الكثيرة.  ولكن الإنسان لم يكن ليمرّ بخاطره أنه قد قام عن طريق هذه التجربة، وعلى غرّة منه، بتصديق العقيدة الدينية الرئيسية عقيدة البعث بعد الموت يوم القيامة وتأييدها تأييدا حاسما.  فكأن العلماء الماديين قد أحدثوا حجة ظاهرة على حقانية التعليمات التي جاء بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنها من عند الله تعالى، ولو لم يشعروا بذلك.  وذلك أن هذه التجربة العلمية قد أظهرت بلا ريب، ومن الناحية العلمية البحتة أن الإنسان الميت ليركّبنّ ثانيا فيما إذا عُثر على خلية واحدة من خلاياه لم تبلغها يد الفناء، والأمر ليس بمستحيل عقليا ولا علميا.

اكتشاف بديع على لسان النبوة

وبعد مطالعة هذه الحقيقة العلمية قد آن الأوان أن ننتقل إلى ما جاء في بعض الأحاديث النبوية الشريفة التي تقوم بالإفصاح عن بعض الحقائق المهمة الأخرى بخصوص المعاد الجسدي للإنسان.  فقد ورد فيما رواه الشيخان البخاري ومسلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: 

"ليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظما واحدا، وهو عجب الذنب، ومنه يركّب الخلق يوم القيامة"([i]).

  كما جاء في رواية أخرى أن عجب الذنب شيء مثل حبة خردل([ii]).

والمعنى أنه شيء دقيق جدا.  وكان هذا العبد الضعيف، من حيث كونه واحدا من تلاميذ علم الأحياء، قد عيّنَ فحوى المراد بكلمة "عجب الذنب" أنه خلية من الخلايا بعد إمعان النظر في علم الأحياء بكل جراءة. (وقد أظهرت هذه الفكرة بكل تفصيل في كتابي "الأدلة العلمية على المعاد الجسدي" بالعربية وفي كتاب لي "القرآن الكريم وعلم النبات" بالأردية.)  وقد جاءت الآن الاكتشافات الأخيرة لتُحْكِم ما ذهبت إليه قبل خمس عشرة سنة من أن خلية واحدة من البشر يمكن أن يستخلص منها بشر مثله.  وهكذا فقد تهيأ الجوّ لحدوث انقلاب عظيم في مجال الفكر والفلسفة. فإنه انقلاب إسلامي، انقلاب لا يهون أمره، انقلاب له شأن عظيم ومنزلة سامية من الناحية العقلية، انقلاب يدكّ معاقل النظريات المهلهلة الضالة، ويقطع دابر الفلسفات المادية.

الحياة بعد الموت : مشاهدة من صميم الواقع

أما إنه كيف يمكن أن تبقى خلية من الخلايا حيّة إلى هذا الأمد الطويل؟  فهذا الأمر هو الآخر أصبح واضحا مستنيرا بفضل التحقيقات الحديثة.  فقد أوضحت الدراسات أن هناك كثيرا من الجراثيم والميكروبات - وهي تكون وحيدة الخلية - تتعرّض لظروف نابية، فتبقى وكأنها ميتة آلافا من السنين ولكنها تعود إلى حيويتها الأولى حينما وافقت ظروفا مناسبة.  والميكروبات تكون أنواعا مختلفة، فمنها ما يكون في التراب، ومنها ما يكون في الماء، ومنها ما يكون في الهواء.  وكما قد ذكرنا سابقا إن جميع الأشياء الحيّة من الحيوانات والنباتات توجد فيها "النظام الخلوي" على حد سويّ، باعتبار أن كلا منها، سواء كان صغيرا أم كبيرا، يتكون بمجموعة من الخلايا تكثر وتزداد باختلاف الأنواع.  فالميكروبات تكون وحيدة الخلية، والحشرات تتركب بآلاف من الخلايا، كما أن بعض الحيوانات الصغيرة يتكون بمئات الألوف من الخلايا، وبعضها الأكبر منها يتكون بملايين منها، وبعضها يتكون ببلايين البلايين من الخلايا، مثل الإنسان والبقر والأسد. وهكذا يسير "عالم الأحياء" وفق النظام الخلوي العام.  والخلايا في الأجسام الحيّة تتعرّض دائما للانقسام والانفطار، فتتكون الخلايا الجديدة على أنقاض الخلايا القديمة.  والخلية الواحدة من البشر تكون مشابهة للجراثيم في هيئتها، والتي هي وحدة للحياة.

وعلى كل، فإن هناك بعضا من الجراثيم تَحْيَى آلافا من السنين تحت تراب ثقيل في حالة "أشبه بالموت"، ثم تعود إلى عملها الحيوي مرة أخرى حينما تلاقي ظروفا مساعدة للنمو، فتنشأ وتنمو كما كانت من قبل.  وهي تكون طيلة هذه المدة في حالة "السبات" DORMANCY، وهي في هذه الحالة تسمى "الاسبور" SPORE.([iii])

إنما الأموات رقاد

وإن هذا لشهادة عظيمة على كيفية الإحياء بعد الموت، وعلى جانب عظيم من الأهمية.  فكأن فاطر الكون قد أودع كل مظهر من مظاهر الكون المادي مكتبا من الدروس والبصائر لهداية النوع البشري وتذكيره.  وهذا الاكتشاف واحد من تلك الدروس اللامتناهية والذي يوفّر حجة واقعية مشهودة على أنه إذا وُجدت خلية من خلايا الإنسان - وهي تكون مثل الجرثومة - محفوظة من التحلل والتفسخ - وهي تتمثّل كأنها "ميتة" قد فارقتها الحياة بتاتا، وهي في الواقع ليست ميتة ولكنها في حالة "السبات" - فهي وحدها كافية للنشأة الثانية لنفس البشر مع جميع صفاته ومميزاته، ولا بدع في ذلك علمياٌ.  فقد جاء فيما يصرّح به القرآن الكريم أن الناس حينما بُعِثوا يوم القيامة ظنوا أنهم كانوا نائمين إلى الآن. كما قال تعالى:

{ونفخ في الصور، فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون.  قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا، هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون.  إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون}   يس: 51 - 53

الخلق الإلهي والتصنيع البشري

إن النجاح الأخير الذي حقّقه الإنسان في استنساخ شبيه الحيوانات ليس نجاحا عاديا أو أمرا يسيرا، وإنما هو أمر أقصى ما يكون في الصعوبة والإرهاق.  فإن العلماء قد جربوا هذا العمل حوالي ثلاثمائة أجنّة EMBRYOS قبل أن يتمكنوا من إنتاج "مزدوج" للنعجة المذكورة. يعني أنهم كرّروا نفس التجربة قُرابة ثلاثمائة مرة حتى نجحوا في المرة الأخيرة.  ولكن الله تعالى فاطرَ الكون لا يحتاج إلى مثل هذا التكرار و "الإسراف"، إنما هي صيحة أو زجرة واحدة وإذا بالناس يخرجون من الأجداث، كما جاء في الآية المذكورة آنفا.

{إن كانت إلا صيحة واحدة، فإذا هم جميع لدينا محضرون}

وهنا لا بد أن نكون على معرفة من أن ما ورد في الحديث النبوي الشريف المذكور آنفا أن الإنسان يركّب للمرة الثانية من الشيء الذي سماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بـ "عجب الذنب"، إنما جاء ذلك لتذكير الإنسان وتقريب الأمر إلى فهمه، ولا أكثر من ذلك.  ولكن الله تعالى لا يحتاج إلى الالتزام بالقوانين المادية التي سنّها في الكون لإظهار قدرته. لأنه هو الذي يُخرِج الأشياء من كتم العدم إلى حيز الوجود. فالأمر عنده ليس أكثر من أن يقول "كن" وإذا الشيء "يكون":

{إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون.  فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون}     يس:  82 - 83

إن النجاح الذي حققه الإنسان في إنتاج حيوان متكامل من الخلية الواحدة، إنما هو خير موضّح لكيفية المعاد الجسدي يوم البعث.  كما قد أكّد ذلك النجاحُ أن الإنسان يستطيع أن يكرّر نفس التجربة لعدد ما شاء من المرات.  فإذا كان الإنسان قادرا على إعادة عملية التصنيع أفلا يكون ذلك الإله القدير الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى قادرا على إعادة الحياة إلى مخلوقاته؟  فالحق أن العلماء الطبيعيين قد أكّدوا تأكيدا نهائيا على حقانية عقيدة القيامة بالتجربة الناجحة التي نفّذوها في مجال الاستنساخ.

وإن الإنسان ليشاهد في حياته اليومية نماذج لخلق الإنسان من خلية واحدة في "الجنين" الذي يتكون من الخلية المخصبة.  ثم يوم القيامة يعيد الله تعالى خلق الإنسان من خلية واحدة كذلك.  ولذلك قال تعالى:

{ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون}   الواقعة:  62

هل أصبح الإنسان خالقا؟

هذا، وأما القضية التي أدهشت الناس كثيراٌ وأقامت أمامهم سوالا كبيرا، فهي أن الإنسان هل أصبح خالقا بتنفيذ هذه التجربة المدهشة؟  كما نرى أنه قد ارتفع الضجيج والصخب في جميع الدوائر الإنسانية أن الإنسان قد تدخّل بهذا العمل في الخلق الإلهيّ، تبارك الله تعالى. ولكن هذا القول قول سخيف وفكرة  واهية. بل إن هذا العمل الإنساني إنما يزيد المؤمنين إيمانا واستيقانا بعظمة الذات الإلهية وعلوّ قدرتها، فضلا من أن يغضّ من شأن الألوهية أو يُعتبَر تدخّلا فيه.  لأن هذه المنجزة البشرية وإن كانت تبدو في أول الأمر من الأعاجيب ولكنها ليست في الواقع "معارضة للفطرة".  لأن العلماء لم يفعلوا أكثر من أنهم قاموا بمطالعة الأصول الطبيعية بجدّية وإمعان، ثم أنجزوا ما أنجزوا متبعين تلك الأصول الإلهية.  فالأمر أمر محاكاة وتقليد وليس أمر إبداع وإنشاء.  نعم، إنما قد يكون هذا العمل البشري حقيقا لأن يعتدّ من "الإبداع البشري" إذا كان العلماء قد قاموا بخلق الإنسان من العناصر الميتة أو التراب.  أما وإنهم استعملوا في ذلك خليةً من الخلايا الجسدية التي خلقها الله تعالى، فكيف يمكن أن يُحْسَبَ الإنسانُ خالقا "للمُسْتَنْسَخ" من الخلية، وهو لم يخلق تلك الخلية.  من أجل ذلك، لا يمكن أن يرتقي الإنسان إلى مرتبة الخالق أبد الآباد.  نعم، إنه حريّ لأن يقال "محاكيا" أو مقلدا.

القرآن الكريم يتحدّى

إن القرآن الكريم لَيتحدى النوع البشري كلهم أجمعين وما يدعون شهداء من دون الله تعالى تحدّيا صارخا أنهم لا يستطيعون أن يخلقوا شيئا حقيرا مثل الذباب فما فوقه.  كما قال تعالى:

{يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له، إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له}   الحج:  73

وكان هذا المَثَل الذي ضربه الله تعالى منطبقا في ماضي الزمان على الآلهة الكاذبة التي يعبدها المشركون. ولكنه صادق اليوم، وبنفس الصدق، على العلماء الماديين الذين يزعم الناس فيهم وكأنهم قد استولوا على عرش الألوهية.  وذلك أن دهماء الناس اليوم قد شدّوا "العقيدة" على أن هؤلاء العلماء قادرون على أن يفعلوا ما يريدون.  فإذا كانت الدنيا العلمية تدّعي أو تظن من نفسها اليوم أنها تستطيع أن تعتلي مركز الخالقية فإنه يجب عليها أن تُخْرِج شيئا ذا حياة، ولو كان حقيرا، من العناصر الميتة.  ولكن الحق الذي لا ريب فيه أنها لا تستطيع أن تفعل ذلك أبدا.  فكيف يكون في هذا الكون خالق وبارئ سوى ذلك الخالق الواحد الأحد الذي مازال ولايزال وحيدا في خالقيته وألوهيته:

{ذلكم الله ربكم خالق كل شيء، لا إله إلا هو، فأنى تؤفكون}   المؤمن:  62

تغيير خلق الله من عمل الشيطان

وعلى كل، فإن هذا العمل ليس "عملا بَنَّاءًا"، بل هو "عمل هدام"  يُعتَبر تغييرا لخلق الله تعالى.  وقد كشف الله العليم الخبير هذه الحقيقة على لسان إبليس الرجيم حينما لعنه الله تعالى وجعله من المُبْعَدين عن رحمته:

{ولآمرنهم فليغيرن خلق الله}     النساء:  119

   ثم يقول الله تعالى:{يعدهم ويمنّيهم، وما يعدهم الشيطان إلا غرورا}   النساء:  120

وقد أتى القرآن الكريم بلفظة "غرور" في هذا المقام، وهي تنبئ بأن هذا العمل ،أي تغيير خلق الله، إنما هو خداع بالنوع البشري وتضليلهم بالوعود الكاذبة.  ولا بد وأن يأتي يوم يحصد فيه النوع البشري عواقب وخيمة لهذا العمل الشنيع، فيتضرّر بها النوع البشري كله.

الجوانب الأخلاقية والاجتماعية للاستنساخ

أما القضايا الأخلاقية والاجتماعية التي تنشأ من نتائج هذه التجربة وكيف تعالج وما هي حلول سليمة لهذه المعاضل؟ فإن المسئولية في ذلك  إنما تعود على أولئك الذين يجترمون هذا الفعل القبيح الذي يتسفّل بالنوع البشري من درجة "الأشرفية" إلى الدرك الأسفل من الحيوانية، ويسخّرون النوع البشري لتحقيق أهدافهم الدنيئة وأمانيّهم الشيطانية وهم الذين يفترض عليهم أن يقوموا بتخليص البشرية من الأزمات والشدائد التي ألمّت بها بما كسبت أيديهم.  وما حملهم على ارتكاب هذا الظلم إلا أنهم قد نسوا خالقهم ومالكهم وإلههم الحق، واغترّوا بخُلَّب المادية، واتخذوا لأنفسهم الألاعيب المادية معوّلا وأنيسا.  وذلك لأنهم لا يؤمنون بقوّة أقهر وأعزّ في هذا الكون من تلك المادة، ولا بأنهم يكونون محاسَبين عندها على ما يفعلون.  فانصرفوا إلى اللهو واللعب والغطرفة والعصيان، وأصمّوا آذانهم وأعمَوا أبصارهم عن الإشارات الغيبية، وجعلوا يظنون أنهم أحرار في هذا الكون، متحررون من جميع القيود والحدود ليس عليهم حفيظ و رقيب.

ولكن الوقت قد حان لتتغير الموازين، لأنهم لا يتّسع لهم الآن أن يستمرّوا على دأبهم في الصدوف عن عقائد التوحيد والإيمان والروح والبعث بعد الموت. والآن لابد لهم أن يستيقنوا بالعقائد الإسلامية وتوجيهاته، ولامندوحة لهم عن ذلك.  وكذلك لا يزال الله يريهم الآيات البينات على وجوده وقدرته:

{سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق}   حم السجدة:  53

اندحار الفلسفات المادية

وعصارة القول إن الانقلاب العظيم الذي حدث في عالم الفكر والفلسفة بفضل "الاستنساخ" إنه سوف يطوّح بالفلسفات المادية والإلحادية، ويُظهِر حقانية الدين الإلهي الأبدي.  لأن العلماء الطبيعيين أنفسهم قد كسروا طلاسم الفلسفات المادية التي تسبّ العقائد الدينية بأنها مجموعة من الأباطيل والأخاديع، وترفع الهتافات العالية بأنه لا يصحّ الاعتماد إلا على "المعلومات" التي تحصل بـ "العقل" و "التجربة"، وتزعم أن العلم الذي لا يدرك بالحواس البشرية إنما هو علم لا أساس له فلا يستحق الاحترام والتقدير.  والفلسفات من أمثال "المادية"MATERIALISM ، و "المذهب العقلي"RATIONALISM,  و "العلمية" SCIENTISM ، و "الوضعية المنطقية"LOGICAL POSITIVISM  إنما خرجت من بطن هذه النزعة الفكرية.  ولكن تجربة "الاستنساخ" المثيرة قد أكدت تهلهل هذه الفلسفات وضلالاتها، فقد أسفرت الحقيقة عن صدق العقائد الدينية، وانبلج الحق بأن هناك نوعا من العلم لا يحصل عن طريق المدركات البشرية، وإنما هو علم أنزله الله وحياً على عباده الذين اختارهم لرسالته.  أفليس ذلك مما يُقْضَى به العجبُ أن العلم البشري نفسه يؤكّد حقانية "العلم الإلهي" و "الوحي الإلهي"، ويشدّ أزره بتجاربه واكتشافاته؟  وهل في عالم الفكر والفلسفة حقيقة أغرب وأعجب من أن الإنسان يجحد شيئا بلسانه، ثم يثبت ذلك الشيء ويُحِقّه بفعله وعمله، فتكون جوارحه مكذّبة لما يجري به لسانه؟  فهل يكون هذا التناقض في القول والعمل من "العقلانية" في شيء؟  أفليس ذلك موقفا يتنافى مع العقل والمنطق؟ فقد قال الله تبارك وتعالى:

{ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون؟}   غافر: 81

وقال تعالى: {خلق الإنسان من عجل، سأريكم آياتي فلا تستعجلون}   الأنبياء: 37 

هل من مدّكر!!

أفلم يتبين بهذه الدراسة السريعة أنْ لا ريب أن في هذا الكون إله جلّت قدرته وتعالت عظمته، علمه أزلي، والأمور كلها دائرة على ما يقضي به تدبيره وتشريعه؟  أو لم يظهر أن يوم القيامة آتٍ لامحالة، وهو يوم ينشر الله فيه جميع النوع البشري فيحاسبهم على ما كانوا يفعلون:

{أزفت الآزفة.  ليس لها من دون الله كاشفة.  أفمن هذا الحديث تعجبون.  وتضحكون ولا تبكون.  وأنتم سامدون.  فاسجدوا لله واعبدوا}   النجم:  57 - 62  

الهوامش                     

([i]) - انظر صحيح البخاري 6/79  وصحيح مسلم  4/2271

([ii]) - انظر فتح الباري، ابن الحجر العسقلاني 8/552

([iii]) - انظر موسوعة بريطانيا: 10/893، المطبوعة 1983م

 

 

اطلب الكتب الآن

 

Copyright © 2000-2006, FURQANIA ACADEMY TRUST - All rights reserved.