الكتب> التقدم في العلم والتكنولوجيا> التقدم

التقلم في العلم والتكنولوجيا

ضرورة أكيدة من منظور إسلامي

بقلم: محمد شهاب الدين الندوي

الصفحات: 40      الثمن: $ 2

 

الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:

حضرة الرئيس والسادة الكرام وإخواني الأعزة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يسعدني أن أقدم خالص شكري للقائمين بتنظيم هذا المؤتمر العام العاشر للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية تحت رعاية سعادة الرئيس محمد حسني مبارك رئيس الجمهورية المصرية. كما أتشرف لتقديم شكري لرئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ووزير الأوقاف معالي الدكتور محمود حمدي زقزوق على أن شرفني بتوجيه الدعوة للحضور والمشاركة في هذا المؤتمر التذكاري الذي له أهمية تاريخية في سلسلة المؤتمرات التي انعقدت في هذا الصدد، والذي ينعقد اليوم تحت عنوان "الإسلام والقرن الحادي والعشرون". واخترت أنا للبحث المحور الرابع، وهو "موقف الإسلام من العولمة في مجال التقدم العلمي".

مواجهة التحديات المعاصرة

إن هذا العصر عصر العولمة وعصر التكتلات. فليس من شعب ولا أمة تستطيع أن تعيش بمعزل عن الشعوب الأخرى فيه. لأن جميع العالم البشري قد صار اليوم كقرية كونية صغيرة جدا -على وسعه- بفضل تقدم العلم والتكنولوجية الحديثة. فلابد إذا هناك التوافق والانسجام بين الأمة الإسلامية -بين شتّى الشعوب والبلاد المسلمة- أولاً، لمواجهة التحديات من الداخل والخارج. ثم لابد تنسيق الصلات بينها وبين الأمم الأخرى الأجنبية، للتعايش معها تمشيا مع الزمن مع مراعاة أهدافنا الأساسية والثقافية. ونحن اليوم أكثر من بليون نسمة في أنحاء المعمورة، أي 20 في المائة. فإننا اليوم في مكانة مرموقة ورتبة عالية في أمم العالم، نستطيع أن نغير الأوضاع والظروف ونُسيطر على المشاكل والعراقيل التي حالت دوننا إذا اتفقنا وتعاضدنا. فلابد التوافق والتواطؤ بين الدول الإسلامية وتوافر الثقة بينها. فلا مندوحة عن تنمية روابط الصداقة بين البلاد المسلمة لاستراتيجية مشتركة تجاه أمم العالم، بكل عزم وثقة بالنفس. فلا تتحول الأحوال والظروف إلا بهذه الخطوة الأساسية الحاسمة. فلابد هناك جمعية عامة للبلاد الإسلامية لتخطيط هذا العمل الجذري الذي يَضمن الفوز والنجاح ويهدي إلى سواء السبيل. فإننا نملك من المبررات والقيم الدينية في هذا الصدد مالا يملكها الأمم والشعوب الأخرى. فالحاجة ماسة إلى تنسيق العالم الإسلامي وتضامنه لسلام العالم وصلاحه وصيانته من الدمار الخلقي والمادي.

الدفاع عن الدين والدولة

إن هذا العصر عصر العلم والتكنولوجيا الحديثة، التين لهما خطورة بالغة في الميدان العسكري. فأيما شعب أو أمة تفوقت فيهما سيطرت على الأمم الأخرى، كما أنها إذا تخلّفت فيهما سقطت وانهارت. فلابد إذا من القوة والسيطرة للدفاع عن الدين والأمة. فإن الإسلام كما يرشد كافة المسلمين إلى سبيل الرشد والنجاة، وكذلك فإنه يدعوهم إلى التقدم والتفوق في العلم والتكنولوجية بالتضامن الإسلامي بنصوص واضحة. فالحاجة ماسة إلى أن نُصغى إلى التعاليم الإسلامية بكل جدية ورزانة، التي تُنجينا من الأخطار والمهالك في عصر العولمة الذي يطالبنا أن نتكتّل هناك كتلة سياسية قوية لمواجهة التحديات والتيارات ضد الإسلام والمسلمين.

علاقة العلوم بالحياة البشرية

فإني أبين أولا علاقة العلوم بالحياة البشرية وأقول: إن الله تعالى قد أنزل علمين لسعادة الإنسان ونجاحه في الدنيا والآخرة. فالأول منهما هو علم الشريعة الذي لابد له لتخطيط أعمال الإنسان وتعيين حدود نشاطاته. وبذلك تتضح صلات الإنسان بخالقه تعالى سبحانه. وأما الثاني منهما فهو علم الفطرة أو الطبيعة. أي علم الموجودات والمظاهر التي تحيط بنا من الجمادات والنباتات والحيوانات والسماوات. فإن هذا العلم الأخير له رابطة وثيقة بالحياة البشرية. لأن الإنسان لايستغني عن هذه المظاهر والموجودات في حياته اليومية فرديا كان أو جماعيا. فإن حياة الإنسان وحضارته تتوقف على النباتات والحيوانات والجمادات بصورة مباشرة. فلا يزال يستخدمها منذ قديم بحيل شتى ومناهج مختلفة. فظهر بذلك أنواع من العلوم الصناعية إلى حيز الوجود. وتتقدم هذه العلوم يوما فيوما بالتفكير والتدبير ويرتقي العلم والتكنولوجيا. فإن هذه العلوم لقد ازدهرت اليوم ازدهارا لامثيل له في العصور السالفة وحتى في القرن الماضي. فإن العلماء الطبيعيين لايستغلون هذه الأشياء والموجودات فقط، بل إنهم قد سيطروا على استغلال طاقاتها السرية المودعة فيها، مثل الطاقة الكهربائية والطاقة الحركية والطاقة الميكانيكية والطاقة النووية والطاقة الشمسية والطاقة الإشعاعية وما إلى ذلك. ثم إنهم لقد تمكنوا من هذه الطاقات على تسخير البر والبحر واستخراج ما فيها من الخيرات من المعادن والمحصولات الطبيعية، كما تمكنوا من تسخير الأجواء وملئها بالأقمار الصناعية في أطراف الأرض، والاتصال بالقمر والمريخ.

فإن هذه العلوم الطبيعية -التجريبية والصناعية- وإنتاجاتها مثل الهاتف والفاكس والتلفزيون والكمبيوتر والسيارات والطيارات والصاروخات والسفن الفضائية، وأنواع من الماكينات والأدوات المنزلية والمكتبية والطبية والمدنية والعسكرية وما إلى ذلك، لتحيط بحياتنا الفردية والجماعية. فليس من شعب ولا أمة تستطيع اليوم أن تعيش بمعزل عن هذه الأدوات والمنتجات يوما ما.

موقف الإسلام من العلوم والصناعات

فإن هذه العلوم والصناعات لقد أصبحت اليوم علامة لرقي الشعوب والأمم. فأيما أمة تخلفت في هذا المجال تقهقرت في ساحات المدنية والحضارية والاقتصادية والتجارية والعسكرية والسياسية والدولية وحتى الدبلوماسية. وإن هذه العلوم والصناعات لها خطورة بالغة من منظور إسلامي. لأن الإسلام هو دين الفطرة ودين متكامل، فلا يغض النظر عن الحقيقة والواقعية. ولذلك يحث المسلمين على التقدم في العلم والصناعات والتقنية بأساليب شتى. وهذا الحث والتحريض في مجالين: فأما الأول فهو التفكير والدراسة في جميع المظاهر الكونية والبحث والتفحص عن أنظمتها دراسة فاحصة. وأما الثاني فهو استخدام مافيها من الفوائد المادية أو المدنية التي هي نعم الله تعالى، و التي هي عطاء وعوض لمن جاحد وتعب في فحص المظاهر والموجودات وأنظمتها. وعلى سبيل المثال لقد ورد في كتاب الله تعالى في المجال الأول:

{قل انظروا ماذا في السماوات والأرض.}   يونس: 101

{قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة.}   العنكبوت: 20

{أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت. وإلى السماء كيف رُفعت. وإلى الجبال كيف نصبت. وإلى الأرض كيف سطحت.}   الغاشية: 17-20

وفي المجال الثاني يقول الله تبارك وتعالى:

{الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم، وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره، وسخر لكم الأنهار. وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم اليل والنهار. وآتاكم من كل ما سألتموه، وإن تعدوا نعمت الله لاتحصوها، إن الإنسان لظلوم كفار.}   إبراهيم: 32-34

{ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفصيلا.}   الإسراء: 70

{ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة.}   لقمان: 20

{وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس.}   الحديد: 25

{وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل تُرهبون به عدو الله وعدوكم.}   الأنفال: 60

العلوم النظرية والصناعية

فإن المجال الأول يتعلق بالعلوم النظرية الخالصة، بينما المجال الثاني يرتبط بالعلوم التجريبية والصناعية والتكنولوجية. فبالأول يتنور الفكر الإنساني بدراسة الكائنات وما فيها من الدروس والعبر التي تشير إلى وحدة كونية وقوة قاهرة، وهي التي تُدير ماكينة الأكوان والمظاهر بالأسباب والعلل التي هي فوق العادة وفوق الطبيعة، لكي يُوقن الإنسان أن هذه الماكينة الكونية لم توجد تلقائيا ولا تجري بنفسها أوتوماتيكية. بل هناك يدٌ سرية تديرها وتحركها بطريق مدهش لا يفهمه الإنسان فهما صحيحا في ضوء الأسباب والعلل العادية. فلا مندوحة له من أن يُذعن لقوة خارقة، وهي الله تبارك وتعالى. فمن هذه الناحية ليست عقيدة اعتراف الخالق أو وجود إله عقيدة رجعية، بل هي عقيدة علمية وضرورة أكيدة. وهذا هو السر الذي لأجله أكّد الإسلام على تفكير المظاهر الكونية واستعراض الدروس والعبر المودعة فيها.

وأما العلوم التجريبية الصناعية فهي تابعة للعلوم النظرية. وهي نتائج استعراض الأسباب والعلل المودعة في المظاهر الكونية، والتي هي عطاء من الله تعالى، عوضاً لتحقيق الحقائق الكونية والاكتشافات العلمية التي تصدق آيات الله المنزلة في كتاب الله تعالى. كما يقول عز وجل:

{وفي الأرض آيات للموقنين. وفي أنفسكم أفلا تبصرون.}   الذاريات: 20-21

{سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق، أولم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد.}   حم السجدة: 53

توجيهات الإسلام في تقدم العلوم والصناعات

ومن هذه الوجهة فإن النعم الإلهية التي كامنة في الأكوان والموجودات تُسخّر وتُستخدم بالعلوم الصناعية والتقنية. فإن العلوم النظرية تُزكّي أذهان البشرية من أوساخ الفلسفات المنحرفة والنظريات الضالة، بينما العلوم الصناعية تُفتش عن النعم الإلهية التي هي مستورة في مظاهر الكون، والتي تُقدم المدنية وتطورها من طور إلى طور، بمشيئة الله تعالى، ليتم ابتلاء النوع البشري. ولذلك فإن الإسلام قد شجع الناس والمسلمين خاصة كل تشجيع على التفكير في الكينونات والموجودات والانتفاع بأنعم الله تعالى مما أودع في الأرض من الثمرات والمنافع البرية والبحرية التي تتعلق بالنبات والحيوان والجماد والسماء، والتي تكون ظاهرة وباطنة مثل الطاقات الكهربائية والحركية والذرية والإشعاعية والشمسية وما إلى ذلك.

فإن هذه أحكام صريحة ونصوص واضحة من مجالات المدنية والصناعية والاقتصادية والتجارية والعسكرية. وهكذا يهدي الإسلام لرقي جميع الصناعات وتطوّرها. فهو أول داع لتقدم الصناعات والمدنية من هذه الناحيات. فلا منافاة بين الدين والمدنية كما يظن بعض الناس من سُوء الظن ويُلصقون به التهمة من غير أساس. والواقع أن الإسلام يوجه ويرشد الناس في جميع القضايا والاتجاهات التي يحتاجون إليها من الدين والدنيا ولا يقصر فيها أيّما تقصير، كما هو شأن الأديان الأخرى في هذا الحقل، فإنه دين متكامل من كل وجهة ومن كل ناحية.

دور المسلمين في ازدهار العلوم التجريبية

ويجدر بنا أن نذكر أن المسلمين في الأزمنة الوسطى لقد تقدموا في مجال العلم والتكنولوجيا بدوافع التوجيهات العلمية والمدنية للقرآن العظيم، وأسّسوا العلوم التجريبية لأول مرة في العالم، وازدهروا فيها ازدهاراً بالغاً، وقادوا الأمم وأدّوا دوراً هاماً في رقي العلوم وتقدّمها، كما أنجزوا في الاكتشافات العلمية وابتكروا حقائق كونية كثيرة. وقد اعترف كثير من الباحثين العدول بمآثرهم وأعمالهم المجيدة بهذا الصدد. يقول فلب حتّي في كتابه الشهير بـ تاريخ العرب:

"الأسبانية المسلمة قد كتبت باباً من الأبواب المشرقة من تاريخ أوربا العقلي في العصور الوسطى. والناطقين بالعربية هم الذين كانوا حاملين مشعل الحضارة والمدنية في العلم بابتداء القرن الثامن إلى القرن الثالث عشر من الميلادي. وزد على ذلك أنهم هم الذين كانوا وسطاء في استرجاء العلم القديم والفلسفة القديمة. ثم إنهم نقلوهما إلى العالم بعد ما أضافوا فيهما. وكان ذلك حافزاً لظهور نهضة غرب أوربا. فإن في جُلّ هذا العمل إسهام كبير لأسبانيا العربية".([i])

وقد اعترفت الموسوعة البريطانية بتفوق المسلمين وفضلهم في مواقع كثيرة. فمنهما ما قالت تحت عنوان: تسلط العرب في البيولوجيا:

"كان العلم في أوربا في حالة النوم طوال ألف سنة على وجه التقريب. والعرب الذين كانوا وسّعوا دوائرهم إلى أسبانيا في القرن التاسع الميلادي، كانوا هم الحارسين والمشرفين على العلم، وتفوقوا في العلوم الأحيائية، كما أنهم غلبوا في الفنون الأخرى".([ii])

بعض الحقائق التاريخية

ثبت بهذه المناقشة بأن التوجيهات الإيجابية للقرآن الكريم هي التي كانت حافزة للمسلمين في العصور الوسطى، فاشتغلوا بالعلوم التجريبية وأحرزوا تقدما مذهلا، فوضعوا أسُس العلم الحديث. فكانوا لايقرعهم ندّ ولا يغالبهم قرن في هذا المضمار في القرون الوسطى. وأما البلاد الأوربية في تلك الأيام فإنها تعيش في عصورها المظلمة. وكانت التقدمات العلمية للمسلمين هي التي عملت في نفث روح اليقظة والانتباه في نفوس الأمم الغربية. فوصلوا خطاهم إلى تحصيل العلوم والفنون وأقبلوا على تسخير مظاهر الكون. وكان ذلك مابين القرن الرابع عشر والسادس عشر، حيث بدأ الإقبال على العلم وإحياءه في البلاد الغربية، فسُمّي بعصر النهضة العلمية (Renaissance). ثم انقلبت الموازين، فواصلت البلاد الغربية سيرها إلى الرقي والنهوض، وبدأت البلاد الإسلامية تتنزل إلى الهبوط والإسفاف. وكان السبب في ذلك راجعاً إلى انهزام الحكومات الإسلامية ونكبتها في ميدان السياسية والحرب. وكان سُقوط الأسبانيا عام 1492م آخر حلقة من سلسلة الدول الإسلامية مُنيت بالانهيار. وبعد هذا الحادث الضجيع مُدّت أطناب الجمود والخمود على كافة البلدان الإسلامية.

الصراع بين الدين والعلم

وعلى كل، فإن التقدم والازدهار في العلم والتكنولوجيا في عهد الإسلام لقد شبّ وترعرع تحت ظلال الدين الأبدي، ولم يستنكره المجتمع الإسلامي كما استنكره المجتمع المسيحي والكنيسة على الأخص في عصر النهضة الأوربية. فحدثت هناك صراعات بين العلم والدين المسيحي، وبالتالي انفصل العلم من الدين. فأفضى ذلك إلى الإلحاد واللادينية، كأنه لا صلة بين العلم والدين، بل بينهما بون شاسع. فكانت النتيجة أن رفض المجتمع الأوربي الديانة واضطر إلى اللجوء في حِضن المادية.

منافع العلوم الحديثة التجريبية

ولذلك لم يفرق الإسلام بين الدين والعلم أو بين الشريعة والمدنية. فإن القرآن العظيم هو أول كتاب على وجه الأرض يجمع بين الدين والدنيا ويُرشد أتباعه إلى أن يُسعدوا بسعاداتهما، فيتمتّعوا بما في الأرض من خيراتها ومنافعها وثمراتها، لتحسين حياتهم ومدنيتهم. فإن العلوم التجريبية لها منافع دينية ودنيوية كثيرة لاتحصى. فأما المنافع الدينية فمنها ما يرجع إلى إثبات آيات الله الكونية التي تدل على وحدانية الله تعالى وخالقيته وقدرته وما إلى ذلك من استعراض الأكوان والكينونات والتفحص عن أنظمتها وسُننها وقوانينها الطبيعية على الأخص. وأما المنافع الدنيوية فمنها مايتكشف من النعم الإلهية التي كامنة في المظاهر الكونية، والتي تنكشف إثر التفكير في الأكوان والفحص عن الموجودات وقوانينها. فبالأولى تتنوّر أذهان البشر وتقضى على الفلسفات والنظريات الزائفة، وبالأخرى تحدث هناك أنواع من المخترعات الحديثة التي تقدّم المدنية والعمران من طور إلى طور. فلابد من هذه العلوم- التجريبية- لتنوّر أذهان البشر وتقدّم مدنيته. فلا منافاة بين الدين والعلم أو بين الشريعة والاكتشافات الحديثة. فإن الإسلام بما أنه دين الفطرة أرشد البشرية إرشادا صحيحاً، ليس في توجيهاته أيما نقص ولا خلل. وهذه هي ميزة الإسلام وخاصيته لم تتّصف بها الأديان الأخرى.

وجملة القول فلا مندوحة عن هذه العلوم لتقدم المسلمين في مجال الخلافة الأرضية من وجهة شرعية. لأنها معقودة بها الخير من الاتجاه الديني والدنيوي. فإن هذه العلوم لها دور هام في تقدم الشعوب والأمم وتقهقرها. فإن الأمم الراقية التي تتسلّح بهذه العلوم لتُرهب الأمم المتخلفة في هذا الميدان وتسيطر عليها. لأن هذه العلوم قد نالت اليوم خطورة بالغة في ساحة الصناعات العسكرية. ولذلك فإن الأمم التي قد تخلّفت في هذا الميدان لاضطرت إلى الانتحار وقتل نفسها وأصبحت في ذمة التاريخ، كما نشاهد ذلك في العصر الراهن.

العلوم التجريبية والخلافة الأرضية

إن العلوم الحديثة التجريبية لها صلة وثيقة بالخلافة الأرضية، التي لأجلها خلق الله أبا البشر آدم عليه السلام وعرّفه بكافة الأشياء والكينونات، كما قال تعالى:{وعلم آدم الأسماء كلها}. وقد صرّح المفسرون بأن الله سبحانه لقد عرّف آدم بجميع الأشياء الكونية مع مُسمياتها وخواصها وتعريفاتها ومنافعها الدينية والدنيوية([iii]). والسر في هذا التعليم أنه عليه السلام خُلق خليفة في الأرض، فلابد من تعريفات الأشياء والمخلوقات التي هي موجودة على وجه الأرض للتعامل معها والتصرف فيها. لأن الخلافة لاتتمّ إلا بهذه السلوكيات.

إن هذه الأسماء والمسمّيات أي الأشياء الكونية وخواصها وتأثيراتها هي الموضوع للعلم الطبيعي في العصر الراهن. فإن العلوم الطبيعية التجريبية هي التي تبحث عن جميع المظاهر الكونية من الجمادات والنباتات والحيوانات والأجرام السماوية وخصائصها الطبيعية (Physical Properties). فمن هذه الوجهة العلم الذي علمه الله تعالى أبا البشر هو العلم الذي يعرف اليوم بالعلم الطبيعي أو Science. فمن تقدم فيه بلغ أوج الرقي والكمال والسيطرة. ومن تخلّف فيه انحطّ وانهار وسقط في الأسفل. وهذا هو السرّ الذي لأجله كرّم الله أبا البشر بهذا العلم لأول يومه وذكر هذه القصة تذكاراً وتشريفاً له، لئلا يتناساه المسلمون ولا يغفلون عن خطورته. ورغم ذلك -من سُوء حظهم- فإنهم نسوه وتجاهلوه اليوم فجعلوه نسياً منسياً. ولذلك يكابدون ويتحمّلون أنواعاً من المحن والبلايا. فلابد إذاً من العود لاسترداد ما فات للتقدم في مجال الخلافة الأرضية. وبذلك تتم خلافتنا بكل معناه. فإن هذه الخلافة لاتتمّ إلا بالتوفيق بين المظهر المادي والمظهر الروحي. ولن تفوز أمة ما في هذه الساحة ما دامت تفرق بينهما. فلابد إذاً من جمعهما وتوافقهما لتحصيل الدين والدنيا معاً. وهذه هي المقاييس والمقومات الإسلامية في هذا المجال. وهو الاتجاه الإيجابي لتعاليم الدين الإلهي الأبدي لكل عصر وزمن.

فريضة للأمة الإسلامية

إن الأمة الإسلامية لو كانت راقية ومتكلة على نفسها في مجال العلم والتكنولوجيا ما اختل التوازن بينها وبين الأمم الأخرى. بل كان حافزاً في إقامة العدل الإلهي بين أمم العالم بجانب، ومساعداً في آباد الشرور والمساوي التي قد تدخّلت وتسلّلت في العلوم والصناعات العصرية بجانب آخر. لأن هذه الأمة هي أمة وسط، أخرجها الله تعالى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كما قال تعالى:

{كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر.}   آل عمران: 110

فتطهير العلوم والصناعات من المفاسد والشرور هو من فرائض هذه الأمة وهو داخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فإن الله تعالى يقول إن هذه الأمة “أخرجت للناس” أي للنوع البشري كلّه. فلابد إذاً أن تأمره بالخير والصلاح وتنهاه عما كان شرّا وباطلاً. فلأداء هذه الفريضة لابد من "قوة" لأن الأمم المتقدمة لا تخضع إلا للقوات المادية ولا تطيع إلا من كان ذا قوة رهيبة. وهذه هي فلسفة الخلافة.

فمن هذه الوجهة فإن ما يعانيه العالم البشري ويكابده اليوم من الشدائد والمآسي فهو بانحطاط المسلمين في ميدان العلم والتكنولوجيا. وهذا هو من خسرانات العالم البشري.

تسخير الأشياء لخلافة الأرض

فلابد للخلافة الأرضية تسخير الأشياء والأكوان وما فيها من الطاقات السرية، التي أودعها خالقها وبارئها في أنظمتها، مثل الطاقات البخارية والميكانيكية والكهربائية والشمسية والذرية والإشعاعية وما إلى ذلك. لأن هذه القوات قد أصبحت رمزاً لتقدم الأمم والشعوب، فلا يستهان بها. ولابد لتسخير الأشياء واختراع الأدوات والماكينات المدنية والعسكرية معرفة العلوم التجريبية والصناعية. وهذا مجال واسع قد تخلف فيه العالم الإسلامي مع أنه يملك ثروات هائلة من المحصولات الطبيعية كالنفط والمعادن والزروع والثمار وما إلى ذلك من النعم الإلهية. ولكن لدوافع تقهقره في مجال الصناعات والتقنية تستغل الأمم الأجنبية ثروات المسلمين وتنهبها نهباً وتُغير عليها غارة، كأنها غنائم لها.

أهمية النفط واستغلاله

والواقع أن النفط أو البترول قد أخذ خطورة بالغة في الصناعات الحديثة، الذي تملكه البلاد الإسلامية والبلاد العربية على الخصوص. فإن النفط له أهمية خاصة في صنع البتروكيميائيات (Petrochemicals). وهي المصنوعات الكيميائية التي تُصنع من النفط والغاز فقط. والتي قد صارت وتين الصناعات الحديثة والاقتصاد العالمي والقوة الأساسية لتحريك السيارات والطيارات والماكينات الهائلة. فإن النفط والغاز يُستخدمان كثيراً في صناعة المواد المفيدة المتنوعة على نطاق واسع من البلاستك والمُنظّفات والأدوية والأسمدة الكيميائية والخيوط الصناعية والمواد المُبيدة للحشرات والمطّاط الصناعي والعطريات والمواد المتفجّرة والمواد المملّسة والشمعيات والصبغيات والوقود السيال والمادات الكحولية وما إلى ذلك([iv]). فمن هذه الناحية فإن النفط قد صار اليوم كالمفتاح لكل صناعة كيميائية وأصبح تحرك ماكينة العالم المدني والحضاري. كأنه رئيس المواد الطبيعية الذي عليه مدار الحضارة الجديدة والمدنية الحديثة. فإن الدول الإسلامية تمتلك اليوم ذخائر هائلة من النفط والغاز مع المعادن والمحصولات الطبيعية الأخرى، مالا يمتلكها غيرها من الشعوب.

وجملة القول فإن النفط قد صار مادة أولية لمعظم الصناعات الكيميائية والتكنولوجية الحديثة، التي تؤدي دورها في المجالات المدنية والتجارية والاقتصادية والعسكرية وحتى السياسة والدولية والدبلوماسية. وهي التي انتهت بالأمم إلى الجدال والنضال والقتال وأشعلت نيران الحرب بينها. وبهذه الناحية فإن العالم العربي قد أصبح اليوم جبهة القتال وهو يتقدم إلى حرب العالمية الثالثة يوماً فيوماً. وما أدى إلى ذلك إلا الثروة النفطية التي يستملكها العالم الإسلامي. وهذه هي الأسباب والدوافع التي قادت الأمم الكبرى الراقية إلى التنافس والتزاحم، فتأهبت للمحاربة والمقاتلة للسيطرة على هذه الثروة العظيمة، وحتى جعلت بعض الشعوب ضحية لأهدافها ومراميها، لتشتدّ قبضتها على الشعوب العربية وتثير على القتال ضد بعض على بعض، توقع بينها العداوة وتُشعل نار الحرب. وهذه هي المكايد والدسايس التي تلتزم هذه القوات الأجنبية لاستغلال ثروات المسلمين. فإن الشعوب العربية والمسلمة إنما تنخدع بسذاجتها وعدم سيطرتها على العلم الحديث والتكنولوجية الحديثة. وهذا هو الابتلاء العظيم الذي وقع فيه المسلمون في هذه الأيام وهذه هي المؤامرة الكبرى ضد العرب والمسلمين.

فقد تفاقم الأمر وبلغ السيل الزُبى. فلا تتحوّل الأوضاع مالم يتفطّن المسلمون لقيمتهم ومالم يعرفوا أنفسهم ومكانتهم بين أمم العالم. فإن الله تعالى قد جعل لهم مكاناً مرموقاً وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة. ثم جعلهم رجالاً كما جعل غيرهم رجالاً. فإذا عزموا على تغيير أحوالهم وظروفهم وتقدموا في مجال العلم والتكنولوجيا والصناعة والتقنية بعزم أكيد وتصميم فُولادي لقدروا على أن يمنعوا القوات الأجنبية المستغلة من نهب ثرواتهم والغارة عليها. فلا بد هذه الإجراءات والمبادرات لمواجهة الأخطار الجارفة والتخلص من مخالب الأمم الراقية، كما لامندوحة عن المشاريع المخططة لإنجاز الأعمال. ولا يجوز الانسحاب الكامل من الخلافة الأرضية ومتطلباتها. وهذه المهمة وإن كانت صعبة ولكنها ليست مستحيلة.

المشروع الشامل للتخلص

هذه هي الظاهرة العصرية التي تتحدى العالم الإسلامي اليوم. فلإعادة الاستقلال والتنفس بالحرية لابد التخلص من براثن الغرب. وهذا يستدعي مشروعاً شاملاً يُطالب بأربعة إجراءات أساسية، وهي:

1- التقدم في مجال العلم والتكنولوجيا بكل جدية ورزانة.

2- توفير الوسائل اللازمة والتمويل لهذا العمل الجاد.

3- التخطيط الشامل لجميع شئون العالم الإسلامي ووضع استراتيجية للتقدم في المجالات العلمية والمدنية والصناعية والعسكرية.

4- تضامن العالم الإسلامي وتعاضده كوحدة سياسية.

هذه هي العناصر الأربعة التي تكون ضامنة لنجاح المسلمين وإحراز الفلاح والسعادة في هذا الميدان. فلابد استراتيجية جديدة. فلا يظفرون في هذه المرامي مالم يدبّروا تدبيرا أساسيا ومالم يُنسّفوا تنسيقات وتدبيرات. وعلى كل فإن الأوضاع الراهنة تنادي المسلمين أن يستعدّوا لعمل يصنع تاريخاً جديدا للتقدم إلى النهضة الإسلامية بكل حماسة.

تضامن العالم الإسلامي حاجة الساعة

إن العالم الإسلامي اليوم مجموعة من دول كثيرة في أنحاء المعمورة تربو على الخمسين. وهي تنقسم بظروفها الطبيعية إلى أقسام: فمنها ما هي ثرية بالمحصولات الطبيعية من المعادن والزروع والثمار وما إلى ذلك. ومنها ماهي حاملة بالمعلومات العلمية والفنية إلى حدّما. ومنها ما هي غنيّة بالوسائل المالية. فإذا تعاضدت هذه البلاد بعضها بعضا وتساندت لبرنامج مشترك، فهناك تكاد تنحلّ القضايا والمشاكل التي تحيط بالمسلمين اليوم. فيساعد هذا العمل على الاكتفاء الذاتي بحاجاتها الكثيرة، كما هو يؤدي إلى نشأة سوق مشتركة للبلاد الإسلامية. وهكذا يتقدم العالم الإسلامي إلى أهدافه خطوة خطوة.

وفي هذه المواقف والمبادرات فوائد لاتحصى. ففيها المنافع الكامنة للمشاكل المدنية والصناعية والاقتصادية والتجارية وما إلى ذلك. وإن هذه الخطوات والإجراءات ستقضي على الفقر والإفلاس والعطالة والجهل في العالم الإسلامي وتأتي عهدا جديدا للرفاهية والتعليم والثقافة والسعادة. فيُفضي ذلك إلى إعادة الثقة بالنفس إلى المسلمين في العالم وإلى عدم التوقف على غيرهم من الأمم، كما أنه يؤسّس أساس الاتحاد الواقعي بينهم ويُقيم دعائمهم ويجعلهم إخواناً. فإن هذا حجر أساسي لتكوين المؤاخاة بين مسلمي العالم.

حول فرائض الخلافة

إني حاولت فيما سبق استعراض بعض الشروط والمقومات التي لابد لها لاسترجاع الخلافة الأرضية. فإن الخليفة من يكون قابضا على الأشياء والأكوان التي يملكها في أرضه وبقعته. فليس الخليفة من لا يقدر على استغلال الأشياء واستخدام الموجودات الأرضية والسماوية التي مسخرة للإنسان من خالقها. كما قال تعالى:

{الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم، وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره، وسخر لكم الأنهار. وسخر لكم الشمس والقمر دائبين، وسخر لكم اليل والنهار. وآتاكم من كل ماسألتموه، وإن تعدوا نعمت الله لاتحصوها.}   إبراهيم: 32-34

{ألم تروا أن الله سخر لكم مافي السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة.}   لقمان: 20

قال الراغب: التسخير سياقه إلى الغرض المختص قهرا([v]). أي سوق الشئ قهراً إلى غرض معين، واسم المفعول مسخّر وهي مسخّرة.([vi])

وقال البيضاوي: فجعلها معدة لانتفاعكم وتصرفكم. وقيل تسخير هذه الأشياء تعليم كيفية اتخاذها.([vii])

فلابدّ لهذا التسخير -استخدام الأشياء وما فيها من الخيرات والمنافع- الخطوات الأربعة والمبادرات الجريئة للعالم الإسلامي، التي مرّ ذكرها أعلاه.

أهمية الثبات في انقلاب الأمم

وعصارة القول فإن هذه الخطوات الإيجابية هي التي تكون حافزة للتقدم في ميدان التسخير والخلافة وتُفضي إلى الثقة بالنفس للأمة الإسلامية والأحداث الناشئة، وبالتالي يعود إليهم الشعور بالاستعلاء الذي يردّهم إلى دينهم وإيمانهم ويُثبّت أقدامهم. ولذلك قال الله تبارك وتعالى:

{قل نزله روح القدس من ربك ليثبّت الله الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين.}   النحل: 102

{يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم.}   محمد: 7

وهذا الثبات والمثابرة هي المطلوبة في جميع ساحات الحياة لتقدم الأمة إلى غايتها المنشودة. وهو تمكين دينها وإزالة الخوف عن حياتها الاجتماعية من جانب أعدائها. فإن الأوضاع المتدهورة والمواقف الحرجة الراهنة تقتضي أن نخطو خطوة سديدة إلى سعادة الأمة وتغيير أوضاعها واسترداد مجدها بطريقة منظمة ومطابقة لروح القرآن تماماً، حتى نصل إلى مستوى أسمى من الحقيقة، وأن نكوّن بِيئة جديدة تنتهي بنا إلى نهضة الأمة ونهضة دينها الخالد.

التوجيه الشامل للإسلام

ونهاية القول أننا لوطبقنا الفكر الإسلامي والمنطلقات الإسلامية مع المتطلبات العصرية من غير اختلال التوازن بينهما، لأصبحنا من أسعد الأمم من الاتجاهين الديني والدنيوي. وإن الإسلام -كما اتضح من هذه المباحث- ليس حاجزاً في سبيل الرقي والتقدم في مجالات العلم والعمران والتمدين والصناعة والتقنية، كما يظن بعض الدوائر. بل بعكس ذلك فإنه يرفض العزلة ويدعو إلى الارتقاء والتطور، كما تنطق وتصرّح بذلك النصوص من كتاب الله العزيز.

فليس هناك بُدّ من أن نُسلّم بأن الإسلام هو الحل الوحيد لحياتنا الفردية والجماعية. فهو صالح أن ينطلق مع أفكارنا وعقائدنا والظاهرة من حياتنا. فإن ثمّة ليس نصّ من نصوص الكتاب أو السنة يمنع المسلمين الرقي والنهضة في مجال المدنية والحضارة. وإن الإسلام ليس كالديانة المسيحية التي تذم الحياة الدنيوية وحضارتها. ولذلك فَشِلت في ترشيد البشرية شرّ فشلة. فرفضتها الأمم الغربية كلّيّةً. ولكن الإسلام بعكس منها يقدم المسلمين في ميدان العمران والتمدين بكل تشجيع. لأن الترقي في هذا المجال لابد له لحفاظ الدين الأبدي بنفسه، كما لابد له لحراسة المجتمع الإسلامي من أن يخضع أمام الحضارات الأخرى، وبالتالي يقع فريسة للتيارات المناهضة للدين. وبهذه الناحية فإن الإسلام يمتاز بترشيده الشامل، فلا يسمح لتابعيه أن يُصبحوا مُصابّين بعُقدة النقص التي تُفضي إلى التدهور الفكري بدوافع الموجات المادية. فلابد هناك التوافق والانسجام الكامل بين الدين والمدنية لمحافظة المجتمع الإسلامي من الانتشار والتفرق. ولذلك لا يفرق بين الدين والدنيا أو بين الشريعة والمدنية، لأنه دين متكامل من كل وجهة. فمن هذه الوجهة فإن الترفي والتقدم في مجال المدنية يتمشّى ويستمرّ دائماً تحت ظلال القرآن الكريم. وهذه هي هدايته الشاملة.

النهضة الإسلامية ومقتضياتها

لقد خلق الله الإنسان خليفة على الأرض وكرمه بعلم الأشياء لهذه الخلافة، لإقامة دينه الخالد وإظهاره على كافة الأديان والفلسفات المنحرفة. فبهذا المنظور أيما أمة تخلّفت في التسلّح بهذا العلم قد خابت في هذه الساحة. وهذه هي العبرة في قصة آدم عليه السلام كما مر تفصيلها.

وللخلافة جناحان: جناح روحي وجناح مادي. فلإكمالها لابد التوافق والانسجام بينهما. والتفريق والانفصال بينهما يُفضي إلى اختلال التوازن. فإن المسلمين اليوم حاملون من الخلافة بالجناح الروحي فقط، بينما الأمم الغربية حاملة بالجناح المادي المحض. فالنهضة الإسلامية لاتحدث إلا بالجمع بينهما. وهذه هي الخلافة الأرضية التي خُلق الإنسان لأجلها. فلاسترداد هذه الخلافة وعظمة الإسلام لامندوحة عن هذا التوافق والتناغم. ويقتضي لتحقيق هذه الأهداف والمرامي تنسيق العمل بين البلاد الإسلامية وجبهاتها المختلفة. فإن هذا العمل العظيم يطلب التضامن والتعاضد بين الملة الإسلامية كاملاً، للتقدم إلى مراميها والتساير إلى ماهو المقصود كالملة الواحدة. وهذا هو توجيه القرآن الكريم وبلاغه إلى جميع المسلمين في العالم.

{وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون.}   المؤمنون: 52

{واعتصموا بحبل الله جميعاً ولاتفرقوا.}   آل عمران: 103

{ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم.}   الأنفال: 46

{وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم، إن ربك سريع العقاب، وإنه لغفور رحيم.}   الأنعام: 165

{ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون.}   يونس: 14

الخاتمة

لقد تبين من هذا البحث والمناقشة أن الأمة الإسلامية لن تفوز ولا تعيش في عصر العولمة كملة واحدة مادامت تفترق بفرق شتى وأحزاب مختلفة. ولذلك لابد في هذا العصر، التضامن الإسلامي للسيطرة والهيمنة على القوات العدوانية ضد الإسلام والمسلمين. فإن اتحدت في ميدان العلم والتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، كملة واحدة وجسد واحد، مواجهة للتحديات الداخلية والخارجية، كان ذلك حافزا في تكوين قوة جديدة وتثبيت الأقدام في ساحة الخلافة الأرضية التي خلقها الله تعالى لأجلها أبا البشر آدم عليه الصلاة والسلام، وعلمها الأسماء كلها، أي أسماء المظاهر الكونية ومسمياتها وخواصها وتأثيراتها ومنافعها الدينية والدنيوية كما فسرها المفسرون. وهذا هو المطلوب في هذا الصدد فلن تحصل الخلافة الأرضية للمسلمين إلا بالجد والجهد والكد الشديد المتعب. فلابد إذا أن نخطو خطوات حاسمة للدخول في القرن الحادي والعشرين. والله هو المستعان ونعم المولى ونعم النصير.

الهوامش

([i]) History of the Arabs, Philip K. Hitti, P. 557, London, 1977.

([ii]) Encyclopaedia Britannica, Vol.2, P. 1018, 1983.

([iii]) أنظر تفسير جامع البيان في تفسير القرآن للطبري، 1/170، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير: 1/73، وتفسير الكشاف للزمخشري: 1/272، والتفسير الكبير لفخر الرازي: 1/193، وأحكام القرآن للجصاص: 1/31، وتفسير المنار لرشيد رضا: 1/262.

([iv]) أنظر للتفصيل في هذا الصدد الكتب الآتية:

(1) Encyclopaedia Britannica, Vol. 14, P. 180, 1983.

(2) The World Book Encyclopaedia, Vol. 15, P. 328, London.

(3) Chemistry Today, P. 66, World Book Inc, Chicago.

([v]) المفردات في غريب القرآن، 232، بيروت.

([vi]) أنظر معجم ألفاظ القرآن الكريم: 1/578، مجمع اللغة العربية، 1390هـ.

([vii]) تفسير البيضاوي: 3/350، دار الفكر بيروت، 1416هـ.

 

اطلب الكتب الآن