الكتب> نهضة العالم الإسلامي> مقدمة

نهضة العالم الإسلامي

في ظلال القرآن الكريم

بقلم: محمد شهاب الدين الندوي

الصفحات: 240       ثمن: $ 8

 

مقدمة الكتاب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

الإسلام  دين ودنيا، عقيدة  وعمل، شريعة  وأخلاق، علم  وفلسفة ، حجة وبرهان، معرفة ومدنية ، مبدأ ومنهج. فلا يفرق بين الدين  والدنيا أو بين الشريعة  والمدنية . فإن لكل منها مبادئ وأصول، بيّنات واضحة، وإشارات باهرة في الدين الخالد. فإنه يوجه في مجالات الفكر والفلسفة  والمدنية  والاجتماع، كما يوجه ويرشد في مجال الدين والشريعة  والأخلاق توجيها شافيا ويقدم لكل قضية حلا وافيا. فلا يترك للإنسان مجالا للشك والحيرة والقنوط والانحراف. هذه هي هدايته الشاملة في جميع ساحات الحياة، التي ليس لها نظير في كافة الملل والأديان  الأخرى، لأنها ناقصة من هذا الاتجاه. فإن الإسلام  هو الدين  الوحيد المتكامل في هذا الميدان.

        ولذلك ضرب الله  تعالى في كتابه المجيد لكل علم  ومعرفة مثالا أو أمثلة عديدة ليتنبه بها الناس وليتذكروها بعد الانتهاء إلى ذلك العلم بدوافع الاكتشافات والتقدمات في مجال العلوم  والأفكار والفلسفات . وهذه هي ميزته العظيمة وهدايته الشاملة لكتاب الله  الخالد في هذا المجال. فمن تفكر وتدبر في هذا الكتاب المعجز من هذه الوجهة لوجد فيه نصوصا واضحة، كأنه بحر لاساحل له. وهذا هو الإعجاز العلمي الأصيل لهذا الكتاب الخالد. ولذلك يحتوي على جميع العلوم والقضايا العلمية  والفكرية والفلسفية  والمدنية  التي يحتاج إليه البشر، وليس في تعاليمه أيما نقص ولا تقصير.

        إن الإنسان  خلق في الأرض خلفية لإقامة الدين  الإلهي وإقامة العدل بين الناس، وإبادة الظلم والعدوان من المجتمعات البشرية، وتطهيرها من الأوثان والأدران والأوساخ من العقائد والفلسفات  والعبادات والأعمال والأخلاق  والمدنيات . هذه هي الأهداف والمقومات الأساسية التي لأجلها خلق الله  الإنسان  على وجه الأرض. فمن هذه الوجهة إن الإسلام  لا يوجه المسلمين  إلى ترك الدنيا وهجر المدنية ، بل يشجع على أن يتقدموا في ميادين العلم  والعمران  والتمدين والتكنولوجيا ، وأن يسخروا الأكوان  والكينونات ، فينتفعوا بما فيها من النعم الإلهية ويتسلحوا بطاقاتها دفاعا عن الدين والدولة.

        إن هذا العصر عصر العلم والتكنولوجية الحديثة، ولها خطورة بالغة في الميدان العسكري. فأيما شعب أو أمة تفوقت فيهما سيطرت على الأمم الأخرى. كما أنها إذا تخلفت فيهما سقطت وانهارت. فلا بد إذا من القوة والسيطرة للدفاع عن الدين  والأمة. فإن الإسلام  كما يرشد كافة المسلمين  إلى سبيل الرشد والنجاة، وكذلك فإنه يدعوهم إلى التقدم والتفوق في العلم  والتكنولوجيا  بالتضامن الإسلامي  بنصوص واضحة. فالحاجة ماسة إلى أن نصغي إلى التعاليم الإسلامية بكل جدية ورزانة، التي تنجينا من الأخطار والمهالك في عصر العولمة الذي يطالبنا أن نتكتل هناك كتلة سياسية قوية لمواجهة التحديات والتيارات ضد الإسلام  والمسلمين .

        قد حاولنا في هذا الكتاب أن نبين أسباب تقهقر العالم الإسلامي وأثراته في ميدان العلم  والتكنولوجيا  وهو متخلف منذ خمس مئات سنة، بعد أن تقدم وازدهر فيه، كما أوضحنا النصوص القرآنية التي تحض المسلمين  على أن يتقدموا في هذا المجال ويبلغوا فيه أوج الكمال لإنجاز الخلافة الأرضية ، وليكونوا خلفاء في الأرض بكل معنى. فلا بد لهم أن ينتبهوا ويستعدوا لاسترداد مجدهم. إن الخلافة الأرضية  لاتحصل أبدا إلا بالجد والجهد والكد الشديد. فقد قال الله  تبارك وتعالى:

{ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِيْ الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُوْنَ.}   يونس : 14

إن الإسلام  كما أنه دين كامل من الوجهة الشرعية والروحية، كذلك هو دين مكتمل من الوجهة المدنية  والحضارية. يرشد في جميع القضايا الحيوية التي يحتاج إليها البشر فرديا وجماعيا. إن الإسلام  -من هذه الوجهة- لم يعجز من توجيه الناس في هذا المضمار، ولكن حاملوه قد عجزوا ورسبوا في  ترشيد الناس حسب توجيهات القرآن الكريم . وبالتالي أفضى هذا الموقف السلبي إلى فشل المجتمع، فوقع فريسة للأفكار المادية  الغربية . فلابد إذا أن نرجع إلى توجيهات الدين  الأبدي الخالد لاسترجاع مجدنا ومجد الإسلام . فإن نهضة الأمة الإسلامية  لاتتحقق إلا في ظلال القرآن الكريم. وهو الدليل الوحيد لجميع قضايانا الشرعية والفكرية والعلمية والحضارية والمدنية والاجتماعية. فلابد من الامتثال الكامل للإسلام للنجاح في مجال الخلافة .

إن العلوم الحديثة التجريبية مثل علم الفيزياء  والكيمياء  لها فوائد جمة لاتحصى، وهي التي لابد منها للخلافة الأرضية. وهي داخلة في الأسماء والمسميات التي علمها الله  تعالى أبا البشر آدم  عليه الصلاة والسلام. والسر في ذلك أنها تتوقف على الخلافة الأرضية  التي لأجلها خلق آدم  عليه السلام. فإن هذه العلوم التجريبية  تلعب دورا هاما في تسخير الأشياء واستغلال المنافع المادية  في ميدان الخلافة . ومن هذه الوجهة لها خطورة بالغة. فإن الأمم الراقية اليوم، التي متسلحة بهذه العلوم ازدهرت وبلغت إلى أوج الكمال وصعدت على عرش الخلافة، فأخضعت الأمم والشعوب التي هي متخلفة في هذا المجال.

ولذلك أكد الإسلام  في رقي هذه العلوم -بأساليب شتى- تأكيدا أكيدا، وكلف المسلمين  بفحص كيانات المظاهر الكونية  وأنظمتها وما فيها من الدروس والعبر والمنافع والفوائد المادية  بالاستقراء التام. وبهذا التحريض والإغراء نشأت العلوم التجريبية  في العهد الإسلامي وترعرت الآن.

وهذه هي الفلسفة الإسلامية  تجاه العلوم الطبيعية ، ولها ثلاثة أهداف أساسية. الأول منها هو أن العلوم التجريبية  صالحة في ميدان العلم  والاستدلال بالحجة والبرهان في إثبات الله  وصفاته تعالى. ولذلك أكد في كتابه الخالد أن يستعرض الإنسان  للمظاهر الكونية  التي فيها آياته الباهرة على وجوده وقدرته وخالقيته وربوبيته ، فحضه على ذلك بأساليب شتى. والثاني أنها كذلك صالحة في ميدان التسخير  -أي تسخير المظاهر الكونية - لما فيها من المنافع المادية  التي كامنة في أنظمتها، والتي يستفيد منها الإنسان  في حياته المدنية  والعمرانية. والثالث منها أنه تحصل بهذا التطبيق إسلامية العلوم الطبيعية  التي لابد منها لتنوير أفكار الأمة الإسلامية والتي تنجينا من نزعات المادية  وفلسفاتها المنحرفة الزائفة.

وملخص القول أن العلوم التجريبية  لابد منها من الوجهة الشرعية والفلسفية والمدنية والعسكرية. وهي التي تقدم الشعوب والأمم في مجال الخلافة . فإنها معقودة بالخير من وجهات شتى من الدين  والدنيا. فلابد للعالم الإسلامي أن يتقدم في هذا الميدان ويتمهر في العلوم التجريبية  لنهضة الإسلام  والمسلمين. ولهذا الهدف الأساسي لابد من التضامن الإسلامي  بين الدول الإسلامية وجبهاتها المختلفة، لمقابلة التحديات التي تتعرض للإسلام والمسلمين. وهو الحل الوحيد في تحقيق نجاحنا في ميدان الخلافة . فنحتاج إلى تجربة جديدة بكل عزم ومثابرة في إطار القرآن الكريم  والسنة النبوية . كما نحتاج إلى إحياء الوعي الإسلامي والصحوة الإسلامية  لتطبيق الشريعة  الإسلامية. فلا يعود مجد الإسلام إلا بهذا الطريق. ولو طبقنا الفكر الإسلامي والقيم الإسلامية لأصبحنا من أسعد الأمم. وإن الإسلام هو الحل الوحيد لجميع قضايانا الشرعية والفكرية والفلسفية والمدنية والسياسية.

لقد آن الأوان أن يتفكر العلماء والعقلاء من القادة الفكر الإسلامي أن يعملوا جهدهم لتعديل الأوضاع الراهنة وإنشاء الجو الفكري في الدوائر الإسلامية وعامة المسلمين ، والرجوع إلى الإسلام  في جل قضايانا الجماعية والتمشي مع القرآن الكريم  والسنة النبوية  على كل حال. فلن يحصل الفوز والنجاح للأمة الإسلامية إلا بهذا الطريق.

لقد قدمنا أكثر مباحث هذا الكتاب وأفكاره كمحاضرات في جمعية ندوة العلماء  بلكناؤ (الهند ) في السنة الماضية. فنالت هذه المحاضرات الإعجاب من القائمين بها وأساتذتها وطلابها على السواء. فأشادوا جميعا بمجهودات هذا العبد الضعيف في إبراز محاسن القرآن الكريم  وإعجازه العلمي  وفلسفته الاجتماعية  لمقتضيات العصر الراهن.

والجدير بالذكر أننا ألقينا الباب الأول من هذا الكتاب كبحث في المؤتمر العالمي الثامن للندوة العالمية للشباب الإسلامي ، بعمان  عاصمة الأردن ، تحت عنوان "الشباب المسلم والتحديات المعاصرة" في الفترة 20-23/10/1998م، حول المحور الرابع "التحديات العلمية والحضارية". كما أننا عرضنا خلاصة هذا الكتاب على المؤتمر العام العاشر للمجلس الأعلى للشؤن الإسلامية  بالقاهرة  في الفترة 2-5/7/1998م، حول موضوع "الإسلام  والقرن الحادي والعشرون" على عنوان "التقدم في العلم والتكنولوجيا ضرورة أكيدة من منظور إسلامي". وهذا البحث قد طبعت من الأكاديمية الفرقانية  ببنجلور الهند .

وعلى كل، لقد قدمنا في هذا السفر بعض المقومات الإسلامية ومزايا القرآن الكريم  التي تتعلق بتطبيق الدين والمدنية، والمشاكل التي تحيط بالعالم الإسلامي اليوم من الوجهة القرآنية. وما قدمنا فيه من الأفكار المبتكرة هي خلاصة تأملاتنا في كتاب الله  العزيز من الوجهة العلمية والفلسفية لأربعين سنة. فندعو الله تبارك وتعالى أن ينفع المسلمين  بهذا الكتاب، فينال القبول العام ويكسب إعجاب الناس، وهو السميع المجيب.

                                                        محمد شهاب الدين الندوي

                                                            4/11/1419هـ

       

 اطلب الكتب الآن