الكتب> التجليات الربانية في عالم الطبيعة> المقدمة

التجليات الربانية

في عالم الطبيعة

بقلم: محمد شهاب الدين الندوي

الصفحات: 208          الثمن $ 5

 

المقدمة  

الحمد لله رب العالمين،والصلاة والسلام على رسوله الكريم.أما بعد:

إن القرآن الكريم  صحيفة  معجزة  جامعة للعلوم  الدينية  والدنيوية لا يوجد لها نظير في جميع الآداب  العالمية.  وذلك أن القرآن الكريم  يمتاز بأنه في الوقت الذي يتناول فيه من قضايا العقائد  والعبادات والمعاملات ما يحيط به كافة الأصول الأساسية للحياة  البشرية، فإنه يحيط كذلك بالعلوم  الدنيوية والقضايا الفكرية والنظرية.  لذلك فإن هدايته لا تكون محدودة على القضايا الشرعية والدينية ، إذ أنه يقوم بهداية النوع البشري  من النواحي الفكرية والنظرية ويؤمّنه من الاضطراب العقلي والنفسي.  ومن هنالك كان القرآن الكريم  مجموعة رائعة جميلة من إضمامة الشريعة  والطبيعة  حتى أعوز الإتيانُ بمثلها جميعَ النوع البشري .

والأمر أن القرآن الكريم  يعمد إلى بيان تلك الحقائق والأسرار الطبيعية  التي تبدّد الريب حول ربوبية  الله  تعالى وخالقيته، وتجيء بالآيات  البينات والشواهد القاطعة للنوع البشري ، حتى تتبين للإنسانية  الضالة ما يشهده نظام الكون  من البراهين الساطعة، لئلا يجوز لهم بعد ذلك أن يكفروا بالله تعالى، وتتمَّ حجة الله عليهم.  وهذا ما دعا القرآن الكريم  إلى الاستدلال بالمظاهر الكونية المختلفة وبيان القضايا الشرعية جنبا إلى جنب في كثير من آيات  القرآن الكريم .  كما أنه يركّز على ضرورة مطالعة الأشياء المادية  من الحيوانات  والنباتات  والجمادات  والأفلاك ، والنظر في نظمها، واستخراج العظات والبصائر - النتائج المنطقية - المودعة فيها، ثم الادّكار بها.

ونظرا لهذه الحقائق فإن القرآن الكريم  صحيفة  فطرية تدعو النوع البشري  بإلحاح شديد إلى مطالعة مظاهر الكون  باستخدام العقل السليم والقلب الصافي، ويحذّرهم من الإعراض عن النتائج المنطقية التي ظهرت لهم.  وذلك لأن دراسة المظاهر الكونية  دراسة علمية  جادة تكشف عن الحقائق التي تثبت وحدانية الخالق  الأعلى مع  توفير الأدلة الناصعة على رسالة  النبي  الكريم - صلى الله عليه وسلم - والبعث  بعد الموت، مما يكون - من الناحية الدعوية - أنفذ في قلوب الناس وأدعى لأذهانهم من مجرد دعائهم إلى الإيمان  بالله تعالى والإسلام  له.  ومن أجل ذلك دعّم الله تعالى هذه الصحيفة  بجميع أنواع الأسلحة - الأدلة العلمية  والكونية  - التي تمس الحاجة إليها وفقا للمقتضيات العصرية المتغيرة حتى لا تكون متخلفا في مضامير الاستدلال، بل يظهرَ كلمة الله تعالى من الناحية المنطقية. فقد كان من الأهداف الأساسية للقرآن الكريم من بيان حقائق النظم الكونية  توفير الأدلة العلمية  على التوحيد  والرسالة  والقيامة  لإشباع الطبائع الاستدلالية.  وهذا أيضا جزء من نظام الأدلة في القرآن الكريم .  وإذا لاحظ الإنسان  هذا الهدف الأساسي فستزول جميع الأفهام الخاطئة التي تراود الناس في هذه القضية.  ومن هنا تشتد الحاجة إلى أن نُطْلِع الناس والجماهير على العلاقة الحقيقية بين القرآن والعلم ، وعلى الهدف الأساسي للقرآن الكريم من الاستدلال بالمظاهر الكونية  ونظم ها.

وليعلم أن الأسرار والتفاصيل المتعلقة بالكون  المادي المنزلة في القرآن الكريم  إنما هي من معجزات الكتاب الحكيم، وحجة فالقة مبصرة على أنه من عند الله  تعالى رب العالمين، علام الغيوب. وإنما الإعجاز  الحقيقي للقرآن الكريم يكمن في أن هذا الكتاب الحكيم لا يزال يفكك عقد الأفكار والأنظار البشرية ويهديهم للتي هي أقوم بالغا ما بلغوا من التقدمات في العلوم  والفنون. ومن ثم كانت الأخبار والأسرار المتعلقة بالعلوم  والفنون الكثيرة والتي يجمعها الكتاب الإلهي العظيم من رموز البيان وأساس البلاغة في القرآن  الحكيم، وهي لا تكون مهجورة بائدة في أي عصر من العصور قاطعا ما قطعته العلوم  البشرية أشواطا من التقدم. ولكنها تزداد إفصاحا وتزداد معانيها إشراقا وجلاءً من أجل التقدمات في العلوم  المادية . وكيف يتصور من رجل من البشر أن ينفذ ببصره إلى العلوم  والقضايا الناجمة في العصور المستقبلة. فيؤسس على أساسها كليات ثابتة لا تتحول.

فيصبح من المفوض أن يصرف الوجوه ‘إلى ما جاء في القرآن الكريم  من المعارف والأنباء الجليلة عن الكائنات المادية  ناطقة عن إعجاز ه الحقيقي وبلاغته الأصيلة، فتقدم تلك المعارف إلى النوع البشري  واضحة جلية لكي يجتلي الإنسان  المعاصر الوجه المشرقة من كتاب الله  تعالى ويؤمن به ويستيقن بهدايته المعجزة . ويجب كذلك أن يقام هذا العمل بمختلف لغات العالم وعلى ساحة واسعة إقامة لنشر الدعوة القرآنية  وتبليغها على المسار المستقيم وحسبما تستلزمه المقتضيات العصرية.

وتحقيقا لذلك قامت الأكاديمية الفرقانية  الوقفية بإنشاء فرع مستقل يقوم بمهامه تحت رعاية الأكاديمية  بعنوان :"الحركة العالمية للإعجاز   العلم ي في القرآن الكريم " نظرا للأهمية الكبرى التي يمتاز بها هذا الموضوع. و أن نكون في ذلك على اتصال قريب دائم بالجمعيات والهيئات والأشخاص العاملين في هذا المجال في العالم كله توسيعا لدائرة هذا العمل العظيم والزيادة من تفعيلها. فنحن نناشد بأصحاب الفضيلة العلماء  والجمعيات والهيئات أن يجعلوا لنا نصيبا من العون والمساعدة. وكما أننا نزمع على عقد مباحثات ومؤتمرات علمية  على المواضيع المختلفة المتبلورة في الموضوع الرئيسي.

ولقد رأينا أن نجعل من أول خطوتنا في هذا المجال ورميا إلى التعريف بأبعاد هذا العمل العظيم وتقديم صورة عن هذا المشروع الحديث أن نقوم بتفسير بعض الآيات القرآنية الناطقة عن النظام الكوني  وشرحها في ضوء الكشوف الحديثة شرحا يكشف عن جوانب الإعجاز  العلم ي للقرآن الكريم فيما يتعلق بالنظام الكوني  في جانب، ويقوم بدعوة النوع البشري  إلى التفكير والتقدير في أن هذا الكتاب الجامع لحقائق العالم الطبيعي  والأمين على الأسرار المكنونة فيه إنه ليس من قول البشر وإنما هو تنزيل من لدن ذلك الجليل الذي فطر السماوات  والأرض  وتعهدها بربوبيته، في جانب آخر. وإنني على ثقة واثقة بأن هذه الحقائق والعلوم  إذا عرضت على الناس بالأسلوب الدعوي ومدونة على المنهج المنطقي وبالمناحي المختلفة لَما كان للنوع البشري  الحاضر إلا أن يتأثر بها، لاسيما وإنما نرى الإنسان  المعاصر قد ذهبت بألبابها هذه العلوم  المادية ، فلا يفعل في نفسه -إذن- إلا ما كان قائما على العلوم  الحديثة، فقد انقلبت القيم في هذه الأيام وأصبحت أساليب الوعظ والإرشاد لا تسمن ولا تغني من جوع.

ولذلك جعل الله  كتابه الحكيم مدججا بجميع أنواع "الأسلحة" حتى يتمكن أنصار الإسلام  من منافحة الإلحاد  واللادينية  مستلئمين أحدث اللأم على نحو الطبائع المتغيرة من عصر لآخر. فلا يزال هذا الكتاب الحكيم غضا طريا ومشرقا زاهيا في كل عصر من العصور. فهل يكون شقاوة أعظم وأشقى من أن يظل المسلمون  متشبثين بتلك الطرائق القديمة البالية مستنفرين عن العلوم  الحديثة ونابذين لها. والواقع أن الناس ما كانوا ليزعموا نداء الإسلام  ورسالته رسالة  رجعية غير نافعة في العصر الراهن إلا لأن المسلمين  قد باتوا عاجزين عن إدراك الإعجاز  الحقيقي للقرآن الكريم ورسالته الحقة. ولكن المسلمين  أنفسهم أصبحوا متخلفين في قيادة الإنسان  الحديث مما ألم بهم من الغفلة والجهل بالحقائق. وهذه الظاهرة يحتم علينا أن نقوم بتأليف كتابات دعوية من الطراز الحديث في هذا الموضوع مستبصرين للرسالة  القرآنية الحقة ومسترشدين بدعوته الأصيلة. سدا لهذا الفراغ الواقع وأن نقوم كذلك بإعداد رسالات مختصرة تعالج الموضوع بجوانبه المختلفة وبطريقة مؤثرة فعالة. ونقدمها للناس لتكون عونا لهم على المعرفة الصادقة بحقيقة التوحيد  والرسالة  ويوم البعث  في ضوء البحوث العلمية  والتحقيقات الحديثة حتى لا يبقى للإنسان  الحاضر ملتحدا لا الصدود عنها وحتى يتم عليهم الحجة. والغاية الرئيسية للقرآن الكريم هي أن يظهر الحق فيهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بينة. كما أن الله تعالى أنزل القرآن الكريم  ولم يجعل رزقه أن يقول صراحا على تلقين المواعظ والنصائح، وأنزله صحيفة  عظيمة مجلوة بالأدلة العلمية  والبراهين المنطقية وهو لا يعتمد على الأساليب الوجدانية والانفعالية. بل إنه يخاطب من الإنسان  عقله ومنطقه ويوجه إليه دعوة التفكر والتدبر، ويستدل بالنظام الكوني  على ما يأتي به من التصريحات والدعاوي. وهذا هو الأسلوب الطبيعي والطريق المنطقي ولا نرى على وجه الأرض  صحيفة  حاملة له وداعية إليه، إلا هذا القرآن  العظيم وأما سائر الصحف الأخرى فإنما هي مهجورة قد ذهبت روعتها وطراوتها.

فيجب على المسلمين  أن يستعدوا لاتخاذ منهج قويم ومذهب سليم على نحو ما يطلب إليهم التعليمات الثورية للقرآن الكريم، ويسلكوا السبيل السوي ليمهدوا للنوع البشري  طريق الهداية والسعادة. وإنهم إن لم يفعلوا ذلك وقفوا على ربهم موقف الجاني. وهذا "فرض الكفاية" مفروض على جماعة المسلمين  من حيث المجموع. فإذا أهمل الجميع هذه الفريضة صاروا كلهم آثمين عند الله  تعالى. والطريق الأمثل لأداء هذه الفريضة -فريضة الكفاية- أن يحشدوا لهذا الأمر جميع قواهم في تشجيع الجمعيات والأشخاص الذين وقفوا حياتهم لهذا الأمر العظيم، ويوفروا لهم من المعونات المالية ما يمكنهم من التفرغ لهذه الفريضة العظمى. وبدون ذلك لايتم هذا الأمر ولاتسقط عنهم الفريضة.

ولما رأينا جماهير الناس من المسلمين  وهم لا يدرون بأهمية هذا الموضوع الدعوي وإفادته قدرنا من اللازم أن نعقد سلسلة من المحاضرات لتعبئة أذهانهم، وتنبيههم إلى عظمة الكتاب الإلهي وجلالته في ظل طبيعة العصر الحديث وعقليته، وترشيدهم إلى المسالك التي يسلكها القرآن الكريم  في هداية النوع البشري ، ولكي يصبحوا على علم  بحقيقة هذا الكتاب الحكيم ورفعة قدره.  وتحركا لهذا الغرض قامت الأكاديمية  الفرقانية  الوقفية بتنظيم سلسلة من المحاضرات الشهرية عام 1994م وقام كاتب هذه السطور بتقديم محاضرات مكتوبة حول العناوين المختلفة بالموضوع الرئيسي. وقد لقيت هذه المحاضرات قبولا رفيعا لدى الناس حيث أشادوا  بمجهودات هذا العبد الضعيف. وأصر بعض الأصدقاء على جمع هذه المحاضرات القيمة في كتاب خاص تعميما للفائدة بها في أقرب فرصة. فجاء هذا الكتاب بإذن الله  تعالى. ولقد ظل كاتب هذه السطور -والحمد لله- معتكفا على المطالعة والبحث والتأليف حول هذا الموضوع،  منذ أربعين عامٌا. وقد ظهرت فعلا ثمار تلك التحقيقات في صورة بعض الكتب التي أصدرتها الأكاديمية الفرقانية  الوقفية من بنجلور .

وقد ضممت إلى هذه المجموعة مقالة جديدة على موضوع الاستنساخ الجيني مؤخرا في نهاية الكتاب، لها أهمية كبرى من الوجهة العلمية.

وإن ابني أنيس الرحمن الندوي  قد ركب هذا الكتاب بالكمبيوتر وأعد فهارسه بجهد شاق وصححه عدة مرات.

وقد صدرت مجموعة هذه المحاضرات بالإنكليزية والأردية أيضا، وأرجو الله  تعالى أن يتقبل هذه السلسلة ويضع لها القبول في الناس.

      محمد شهاب الدين الندوي
 
    بنجلور (الهند )

 

 

 

اطلب الكتاب الآن